سلاسل التوريد العابرة للحدود «غير المشروعة» تدعم ميليشيا الدعم السريع، ومسارات جديدة لتهريب الأسلحة والإمدادات، وقنوات دعم جديدة تمتد عبر دول الإقليم، ومسارات جديدة لتهريب الأسلحة والإمدادات إلى ميليشيا الدعم السريع للتحايل على الموقف الإقليمى والعالمى المندد بالممارسات غير الإنسانية التى تتجاوز تهديد الشعب السودانى إلى تهديد الاستقرار الإقليمى والعالمى.. هذا ما كشفته تقارير صادرة عن منظمات دولية مناهضة للجرائم العابرة للحدود وتقارير أعدتها وسائل إعلام عالمية وإقليمية تحذر من استمرار دعم هذه الميليشيات ، وتؤكد الحاجة إلى عمل مُنسق على مستوى المنطقة يستهدف جميع المحاور الحيوية لتقييد نطاق عمل قوات الدعم السريع بشكل فعّال ووقف زخمها المُتنامي.
ورصدت هذه التقارير معبرًا حدوديًا جديدًا بين ليبيا و تشاد ، يُعرف باسم "المعبر 17" لنقل الأسلحة والذخيرة والمؤن والوقود ضمن شبكة مسارات جديدة أنشأتها الأطراف الداعمة لميليشيا الدعم السريع فى الداخل الليبي، بالتعاون مع إحدى دول الإقليم التى تتبنى تنفيذ استراتيجية متعددة المحاور لاستمرار دعم هذه الميليشيات ومن ثم استمرار دورها فى إثارة الفوضى والانقسامات داخل السودان والدفع بالشعب السودانى نحو الهاوية، ومن ثم يلقى " السودان " ذات مصير دول المنطقة المستهدف انهيارها من الداخل، وذلك بالتزامن مع بناء شبكة دعم جديدة تمتد عبر عدد من الدول الإفريقية فى محيط ميليشيا الدعم السريع هذا وفق ما كشفته تقارير أعدتها مؤسسات دولية وأكدته وسائل إعلام ليبية وإقليمية جاءت مدعومة بشهادات شهود عيان.. السطور التالية تسلط الضوء على كافة التفاصيل.
رصدت تقارير أعدتها وسائل إعلام إقليمية منها صحيفة «ذا أفريكا ريبورت» مسارات جديدة لتوصيل إمدادات الأسلحة عبر ليبيا برعاية إحدى الدول وهذه المحاولات جزء من خطة أكبر لشرق أوسط جديد قوامه دويلات صغيرة تحكمها ميليشيات مسلحة تحارب بعضها البعض.
وكشفت التقارير أن أهم هذه المسارات الجديدة يتضمن التهريب من ليبيا إلى تشاد، مرورًا بمعبر حدودى جديد يُسمى «معبر 17 »، وذلك كبديل للمسار الأصلى حيث كانت الأسلحة تُنقل سابقًا عبر المثلث الحدودى المشترك بين تشاد و ليبيا .
تحايل مكشوف
وفى هذا الصدد أرجع تقرير صحيفة «ذا أفريكا ريبورت» سبب إنشاء المسار الجديد إلى محاولة إحدى الدول والأطراف الداعمة للميليشيات ذاتها فى ليبيا و تشاد إلى التحايل على الموقف الإقليمى والدولى الرافض للممارسات الإجرامية التى تصنف وفقا لتقارير منظمات أممية بأنها جرائم ضد الإنسانية تمارسها الميليشيا ضد الشعب السودانى.
وأضاف التقرير أن المسار الجديد يرجع سبب إنشائه أيضًا إلى رغبة الأطراف الداعمة لميليشيا الدعم فى تجنب المواجهة المباشرة أو إثارة غضب القوى الإقليمية المؤيدة للجيش السودانى فى دفاعه عن وحدة أراضيه.
وبحسب تقرير صحيفة «ذا أفريكا ريبورت»، يتزامن إنشاء المسارات الجديدة مع إعلان الجهات المعنية فى ليبيا و تشاد عن تشكيل قوة مشتركة تتضمن عناصر الجيش التشادى وقوات عسكرية ليبية لتأمين الحدود بين البلدين، لافتًا إلى أن إنشاء هذه القوة المشتركة مع تحول فى المشهد الأمنى الإقليمى، إذ أفادت مصادر محلية بمحاولات من قِبل عدة حركات تمرد تشادية متواجدة فى جنوب ليبيا لإعادة تنظيم صفوفها، مما أثار مخاوف فى «نجامينا» - عاصمة تشاد - وشرق ليبيا. وتُحذّر السلطات التشادية بانتظام من استخدام الأراضى الليبية من قِبل الفصائل المسلحة التى تسعى لإعادة تنظيم صفوفها.
وبحسب التقرير تتكشف هذه الديناميكية فى ظل تفاقم حالة عدم الاستقرار فى السودان، حيث لا تزال الاشتباكات المستمرة بين الجيش النظامى وميليشيات الدعم السريع تُزعزع استقرار المناطق الحدودية.
وشدد التقرير على أن هذا الوضع يدفع دول المنطقة إلى تعزيز آلياتها الأمنية وتطوير أطر تعاون ثنائى لاحتواء خطر امتداد الصراع.
سلاسل التوريد
وكشف تقرير صادر عن منظمة المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية «GI-TOC»، أنه على الرغم من إدانة المجتمع الدولى للفظائع الجماعية المُبلغ عنها، وعمليات القتل غير القانونية، والعنف الجنسى، ورفضه الاعتراف بالحكومة التى نصبتها ميليشيا الدعم السريع، إلا أن الشرعية الرسمية ليست هى ما يُبقى هذه الميليشيا على قيد الحياة، وذلك لأن عدم الاعتراف بها يُكذّبه شبكة دولية واسعة من التواطؤ، تشمل التجارة غير المشروعة والجريمة المنظمة، فبينما انصبّ الاهتمام على تشاد وشرق ليبيا كقنوات محتملة للدعم المادى برعاية إحدى الدول، تعتمد ميليشيات الدعم السريع أيضًا على كينيا وأوغندا وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى كممرات لوجستية لتهريب الإمدادات العسكرية والذهب.
وأكد التقرير أنه من هذا المنطلق هناك خطر حقيقى من أن تتوسع الدعم السريع مرة أخرى وتفتح جبهات جديدة، مما يُبرز الحاجة المُلحة إلى ممارسة ضغط دولى ومحلى مُنسّق على دول المنطقة الداعمة لها.
وبحسب التقرير ساهمت الانقسامات الداخلية فى جهاز الأمن التشادى فى تسريبات استخباراتية كشفت عن دعم حكومى سرى لميليشيا الدعم، أبرزها ما زُعم عن تحويل مسار أنظمة دفاع جوى صينية سُلّمت فى الأصل إلى تشاد، وتسهيل شحن المركبات إلى السودان عبر ميناء دوالا فى الكاميرون وعبر تشاد.
وفى محاولة للحد من الضرر الذى قد يلحق بسمعتها فى أعقاب هذه التسريبات، حاولت «نجامينا» مؤخرًا إظهار نأيها بنفسها عن قوات الدعم السريع، بما فى ذلك إعادة المركبات التى نهبتها الدعم السريع فى السودان وهُرّبت عبر الحدود إلى تشاد.
وأضاف أنه رغم أن بعض طرق التهريب عبر تشاد لا تزال نشطة، وخاصةً تدفقات الأسلحة والعتاد العسكرى الراسخة عبر مناطقها الشمالية، إلا أن البلاد قد تحولت بوضوح من كونها القاعدة الخلفية الرئيسية لقوات الدعم السريع إلى ممر متنازع عليه وأقل موثوقية.
نحو الجنوب
وكشف التقرير أنه مع تراجع دعم تشاد، لم يقتصر اهتمام الدعم السريع على ليبيا شمالاً فحسب، بل اتجه جنوباً أيضاً، لافتًا إلى أنه فى الأشهر الأخيرة، شوهدت طائرات مسجلة فى جنوب السودان وكينيا تهبط فى نيالا وتُفرغ الإمدادات. كما نقلت طائرات مسجلة فى كينيا مقاتلين جرحى من الدعم السريع، وفى فبراير 2025 استضافت كينيا اجتماعات الدعم السريع التى أسفرت عن ميثاق "الحكومة الموازية" فى نيالا، وفى يونيو، اتهمت القوات المسلحة السودانية كينيا بتزويد ميليشيا الدعم بالأسلحة، وقوبل هذا الاتهام بنفى قاطع من نيروبي، وفى أغسطس دعا مجلس الشيوخ الأمريكى إلى التحقيق فى صلات كينيا بقوات الدعم السريع كجزء من مراجعته لوضع كينيا كـ «حليف رئيسى من خارج حلف الناتو»، وهو تصنيف مُنح فى عام 2024 ويمنح نيروبى امتيازات عسكرية ومالية كبيرة.
كما أن الروابط الجوية المثيرة للجدل تؤدى إلى أوغندا، وفى مايو 2025، دمّرت القوات المسلحة السودانية طائرة بوينغ 737 مسجلة فى كينيا فى نيالا، كانت قد حُوّلت لنقل البضائع، ويُزعم أنها كانت تحمل إمدادات عسكرية لميليشيا الدعم السريع. وأكدت المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية لاحقًا، من مصادر محلية، أن الطائرة كانت تُشغّل فى الواقع من عنتيبي، أوغندا.
قناةً جديدة
ووفقا للتقرير، يُحتمل أن تكون جمهورية إفريقيا الوسطى أيضًا قناةً للدعم الخارجى للدعم السريع، ففى بداية الصراع، تلقت الدعم أسلحةً مرتين على الأقل من شمال شرق البلاد، ويُزعم تورط مجموعة فاغنر المدعومة من روسيا فى عمليات نقل كهذه. ومع ذلك، يبدو أن العلاقات بين فاغنر وميليشيا الدعم السريع قد تدهورت وسط مزاعم فى أوائل عام ٢٠٢٥ بأن مجموعة المرتزقة كانت تُنفِّذ عمليات توغل عبر الحدود من جمهورية إفريقيا الوسطى إلى دارفور.
وفى غضون ذلك، بدأت إحدى دول الإقليم المؤيدة لميليشيا الدعم السريع فى التودد إلى بانغى بمقترحات لتجديد مطار بيراو، بالقرب من الحدود السودانية، مما أثار مخاوف من أن يصبح الموقع مركز إمداد جديد لقوات الدعم السريع، فى حين أن دعم جمهورية إفريقيا الوسطى لقوات الدعم السريع لم يتبلور بعد، إلا أن البلاد أصبحت خيارًا جذابًا بشكل متزايد لهذه المجموعة شبه العسكرية، نظرًا للضغط المتزايد الذى تمارسه القوات المسلحة السودانية على مسارات الطيران الجنوبية، منذ ديسمبر 2023، أشرفت هيئة الطيران المدنى السودانية على المجال الجوى لجنوب السودان بسبب تأخر الأخيرة فى إنشاء نظامه الخاص، مما منح القوات المسلحة السودانية معلومات استخباراتية قيّمة عن الرحلات الجوية المشبوهة، بما فى ذلك تلك القادمة من كينيا وأوغندا.
ويبدو أن الدعم السريع بحسب التقرير، تتكيف مع هذا الواقع من خلال بناء عشرات من مهابط الطائرات المؤقتة فى دارفور وكردفان، وأن هذه المهابط، المصممة للطائرات الخفيفة، تتجاوز شبكات المراقبة الجوية الرسمية، وهى أقل عرضة لهجمات الطائرات المسيرة التى تشنها القوات المسلحة السودانية، ويقع العديد منها بالقرب من مواقع استخراج الذهب، وبالتالى يمكن أن تؤدى دورًا مزدوجًا يتمثل فى تجديد إمدادات الأسلحة وتهريب الذهب إلى الخارج.
وأضاف التقرير أن شبكات الدعم السريع تمتد عبر المنطقة، وتكون شبكةً غامضةً من المصالح التجارية والإجرامية والسياسية، ويُعد كشف الجهات الفاعلة المتورطة وممارساتها فى هذه المراكز أمرًا ضروريًا لتعطيل عملياتها، لافتًا إلى أنه يمكن للمعلومات الدقيقة أن تُسهم فى وضع عقوبات مُحددة، ومراقبة حركة الطيران، والتواصل الدبلوماسى مع الدول التى تُمثل مصادر أو نقاط عبور.
وطالب التقرير بضرورة وجود عمل مُنسق على مستوى المنطقة يستهدف جميع المحاور الحيوية لتقييد نطاق عمل ميليشيا الدعم السريع بشكل فعّال ووقف زخمها المُتنامى.