تشكل أهمية المجلس التشريعي في الجمهورية الجديدة في دوره في تأمين تمثيل شعبي حقيقي لمختلف فئات المجتمع والمشاركة الفعالة في صنع القرار، حيث يجمع بين أصالة تاريخ طويل ومهام دستورية حديثة تمكنه من لعب دور محوري في التشريع والرقابة وتوجيه مسار الدولة.
مصر.. وأقدم النظم التشريعية والإدارية
قدمت مصر للإنسانية أقدم النظم التشريعية والإدارية، فقد نشأت على ضفاف النيل أقدم حكومة منظمة أسست الحضارات الإنسانية العظمى. على مدى العصور، تعاقبت الحضارات المصرية الشامخة وازدهرت استنادًا إلى أسس قوية وراسخة في نظم وفنون الحكم والإدارة.
قبل نحو 5200 عام، استطاع الملك مينا مؤسس الأسرة الفرعونية الأولى توحيد الوجهين القبلي والبحري في مصر في دولة موحدة، ووضع أقدم النظم التشريعية في التاريخ الإنساني من خلال اعتماد قانون تحوت الموحد، واتخذ من مدينة منف عاصمة أول دولة مركزية تمتلك جهازاً منظماً في الحكم والإدارة والقضاء والتعليم والشرطة والجيش.
منذ الأسرتين الثالثة والرابعة، ظهرت المراسيم والتشريعات المختلفة مثل التشريع الذي حدد أوقات عمل الفلاح، وتشريع الملك منكاورع لمحاربة السخرة. في الدولة المصرية الحديثة، برز دور الملك حور محب الذي أقر تشريعات بعيدة عن الاعتبارات الدينية، وتنظيم العلاقة بين الفرد والسلطة، وترسيخ فكرة الحريات والحقوق العامة مثل حرمة المسكن والطريق، وأكد على أن الوظيفة العامة خدمة للشعب وليست وسيلة للتسلط.
في العصر الإسلامي، استمدت نظم الحكم والتشريع من القرآن الكريم والسنة النبوية، مستندة إلى مبدأ الشورى كأساس لنظم الحكم.
نشأة البرلمان المصري وتطوراته التاريخية
بدأت التجربة البرلمانية في مصر في القرن التاسع عشر، حيث تعد أكثر من مائة وخمسين سنة شاهدة على عراقة البرلمان المصري ونموذجه الفريد في إرساء الأطر المؤسسية والحياة النيابية.
ترجع نشأة البرلمان المصري إلى عام 1866، وكان أول مجلس شورى النواب في عهد الخديوي إسماعيل، مختصاً بالمهام النيابة الأساسية. شهدت الحياة البرلمانية العديد من التحولات التاريخية، مثل الثورة العرابية 1881، ونظام الغرفتين عام 1883، ثم العودة إلى نظام الغرفة الواحدة عام 1913، وإقرار دستور 1923 بعد ثورة 1919.
مع ثورة 23 يوليو 1952، بدأ الفصل الجديد من الحياة النيابية بعد تحويل مصر من النظام الملكي إلى الجمهوري، وشهدت مراحل لاحقة إنشاء مجلس الشعب وفق دستور 1971، ثم العودة إلى نظام الغرفتين عام 1980، وصولاً إلى البرلمان الحالي بموجب دستور 2014، حيث أصبح مجلس النواب يشمل تمثيلاً نسائياً وذوي إعاقة وشباباً تحت 35 عاماً، ليصبح علامة فارقة في تاريخ الحياة النيابية المصرية.
لحظات فارقة في تاريخ البرلمان الحديث
شهد البرلمان المصري لحظات تاريخية مؤثرة، منها خطاب الرئيس جمال عبد الناصر عام 1958 بإعلان الوحدة بين مصر وسوريا، وبيان أنور السادات عام 1967 بعد العدول عن التنحي، وخطاب النصر بعد عبور قناة السويس عام 1973، وإعلان زيارة الكنيست الإسرائيلي عام 1977.
دور وأهمية مجلس النواب
يمثل مجلس النواب السلطة التشريعية في مصر، ويضطلع بالعديد من الاختصاصات الدستورية، بما في ذلك التشريع، وإقرار السياسات العامة للدولة، والموازنة، والاتفاقيات الدولية، إضافة إلى الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.
يتشكل مجلس النواب من 596 عضواً منتخباً بالاقتراع السري المباشر، مع إمكانية تعيين رئيس الجمهورية عدد محدود من الأعضاء. مدة العضوية خمس سنوات، ويخضع العضو لاختصاص محكمة النقض في صحة العضوية، ولا يجوز اتخاذ إجراءات جنائية ضد الأعضاء إلا وفق الضوابط المحددة في الدستور.
يمثل مجلس النواب مرآة لتعدد المجتمع ومنصة للحوار والمساءلة وصياغة مستقبل الدولة، ويعتمد نجاحه في أداء مهامه على وعي النواب، وتصميمهم على العمل بشفافية، ومشاركة المواطنين الحقيقية في المتابعة والمساءلة، بما يعزز استقرار الدولة وتقدمها وازدهارها.