الركن الركين.. والحصن الحصين

الركن الركين.. والحصن الحصينغلاب الحطاب

الرأى5-12-2025 | 12:53

القضاءُ ظلُّ الله في الأرض، وقبسٌ من نوره، ومن هنا كانت ولايةُ القضاء من أعلى الولايات قدرًا، وأعظمها شأنًا؛ إذ بها تُعصمُ الدماء، وبدونها تُسفك، وبها تُصانُ الأعراض، وبدونها تُنتهك، وبها تُحفَظُ الأموال، وبدونها تُسلَب.

فإذا كانت الأممُ تحيا بأخلاقها، وتسمو حضارتُها، وتزدهر بسموِّ العدل فيها، فبقدر ما يمتدُّ ظلُّ العدالة، بقدر ما يتراجع الظلم وينحسر، وتبقى كلمةُ الحقِّ دائمًا هي العليا؛ لأن الحقَّ قديمٌ لا يُبطله شيء.

وحسبُنا أن لدينا قضاةً عدولًا وهبهم الله رجاحةَ العقل ويقظةَ الضمير، لا يَألون جهدًا في البحث عن الحق ليقضوا به. ولما كانت رسالةُ القضاء من الأهمية والخطورة في آنٍ واحد، فهي أمانةٌ يحملها القضاة، وما أثقلَها وأعظمَها من أمانة.

ولا شك أن الدورَ الذي يقوم به القضاء هو العاملُ الأساسي، وحجرُ الزاوية الذي لا غنى عنه في تحقيق أي إنجاز أو تقدُّم على مختلف المستويات: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية؛ لأن العدالة هي أساسُ المُلك والحُكم، وهي الركنُ الركين، والحِصنُ الحصين الذي يرتكن إليه المجتمع في إرساء الحقوق والواجبات، وتحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة.

وللعلم، فإن رسالةَ القضاء منذ القِدَم، وعلى مرِّ العصور، من أسمى الرسالات التي تصل بين العبد وربه، وإن تحقيقَ العدل هو مهمةُ الرسل والأنبياء، وهو رسالةُ السماء إلى الأرض. فبالعدل وحده تُصانُ القيم، وتستقرُّ المبادئ، ويتضاعف شعورُ المواطن بالانتماء إلى وطنه.

ولما كانت الدولةُ تلتزم بصون حقوق القضاة عبر العديد من الوسائل، وفي مقدمتها ضمانُ استقلالهم القضائي، وتوفيرُ الموارد الكافية لهم بما يكفل لهم حياةً كريمة، وتوفيرُ الحماية لهم من الضغوط والتأثيرات الخارجية؛ حفاظًا على هيبتهم ونزاهتهم، فإن ذلك يتطلب مزيدًا من الضمانات، سواء المادية منها أو المعنوية.

وأصبح لزامًا على الدولة أن تُهيِّئ للقضاة البيئةَ المناسبة للعمل، من خلال تحسين خدمات أبنية المحاكم، وتزويدها بكافة وسائل الراحة والأمان، والعمل على زيادة التعيينات في الجهات القضائية والهيئات القضائية والخدمات المعاونة.

فالقاضي بشر، وقد يخطئ تحت تأثير ضغط العمل، والتنامي الهائل في أعداد القضايا، وبصفتي ممارسًا لمهنة المحاماة، أعلم تمام العلم أن حجم القضايا المراد الفصل فيها يوميًا يفوق طاقة أعداد القضاة بكثير؛ تلالٌ من القضايا يوميًا على منصات القضاء، وهو أمرٌ يدعو للشفقة أحيانًا.

لذلك، لا تتعجبوا ولا تضربوا كفًّا بكف إذا طالعتكم أنباء عن قاضٍ منتحر، أو مقتول، أو غير ذلك؛ فالقاضي أكثرُ إنسانٍ عُرضةً للضغط النفسي؛ لما يراه يوميًا من مآسي البشر، ومن اختلاط الحق بالباطل، ومن أساليب الزيف والتدليس، وأكل أموال الناس بالباطل.

واللهِ إنها لرسالةٌ شاقَّة، وأمانةٌ عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان.

وأخيرًا، علينا جميعًا—حكومةً وشعبًا—أن نحافظ على ما تبقَّى من حِصننا الحصين، وركننا الركين

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان