فى ظل التحديات الاقتصادية العالمية وتأثر سلاسل الإمداد بجائحة كورونا، برزت أهمية تواجد شركات عديدة محلية وعالمية مع تطوير صناعة الدواء المصرية للقدرة على التكيّف وللحفاظ على توافر الدواء للمواطن فى ظل جهود جبارة وتنسيق بين الهيئات المختلفة وعلى رأسهم هيئة الدواء و هيئة الشراء الموحد ووزارة الصحة.
في هذا الحوار، يتحدث د. أيمن حسن، مدير إحدى الشركات الانترناشونال الرائدة فى السوق المصري، عن رؤيته ل سوق الدواء وقدرته على جذب الاستثمارات، وتحديات التوسع فى التصدير، وأيضا خطط الشركة لتوطين صناعة أدويتها فى ظل حرص الدولة على دعم الصناعة الدوائية، وسبل تحقيق التوازن لضمان أفضل النتائج.
كيف تقيّم وضع سوق الدواء المصري خلال السنوات الأخيرة فى ظل القرارات الاقتصادية التي تستهدف جذب المزيد من الاستثمارات؟
شهد سوق الدواء المصري خلال الأعوام الأخيرة تطورًا ملحوظًا على مستوى التنظيم وحجم الاستثمارات. فقد نجحت الدولة فى خلق بيئة تشريعية مشجعة من خلال قرارات واضحة وداعمة للاستثمار، ولعبت هيئة الدواء المصرية دورًا محوريًا فى تسهيل الإجراءات وتسريع عمليات التسجيل والتسعير، مما عزز من كفاءة المنظومة الدوائية.
اليوم، يتجاوز حجم سوق الدواء المصري 300 مليار جنيه سنويًا و هذا يضع السوق فى مرتبة متقدمة فى الشرق الأوسط وإفريقيا، مما يعزز من أهمية السوق المصري للعديد من الشركات الأجنبية.
ما أبرز التحديات التي تواجه زيادة الاستثمارات الأجنبية فى السوق المصري؟
الدولة تبذل جهودًا كبيرة لتشجيع الاستثمار، لكن بطبيعة الحال رأس المال حريص ويحتاج إلى ضمانات طويلة الأمد.
المستثمر الأجنبي يدرس عناصر متعددة قبل اتخاذ القرار، من بينها استقرار سعر العملة و وضع التدفقات المالية، وحجم السوق، والوضع الجيوسياسي فى المنطقة.
مصر سوق واعد جدًا، لكن بعض الشركات أحيانا تفضل التمهل فى قرارات التوسع لحين وضوح الصورة ، رغم ثقتها فى الاتجاه الإصلاحي للدولة.
الهيئات الحكومية، وعلى رأسها هيئة الاستثمار و وزارة الصحة وهيئة الدواء المصرية و هيئة الشراء الموحد، تبذل جهدًا كبيرًا لجذب المستثمرين.
ولكن مناخ الاستثمار مرتبط أيضا بعوامل اقتصادية خارجية و محلية تتجاوز الأداء الحكومي، مثل جائحة كورونا و الصراعات و الحروب و خصوصا القريبة منها، كما لعبت عوامل التضخم، وتراجع قيمة العملة، وصعوبة توفير النقد الأجنبي، خاصة خلال العامين الماضيين دورا مهما جعلت بعض المستثمرين يترددون فى ضخ رؤوس أموال جديدة، واتخذت الدولة وقتها إجراءات عديدة لتوفير العملة الأجنبية للدواء على وجه الخصوص، كما شجع انخفاض قيمة العملة بعض المستثمرين على الاستحواذ على شركات قائمة بعدما انخفضت قيمتها السوقية بالدولار، ما خلق حراكًا استثماريًا انتقائيًا.
إجمالًا، يمكن القول بأن مناخ الاستثمار فى مصر جاذب بالفعل فى ظل جهود العديد من الجهات المصرية، لكن استدامة هذا الجذب تتطلب المزيد من تقوية العوامل الاقتصادية الجاذبة بالإضافة إلى عوامل ليس للسوق المحلي دخل بها ولكنها مؤثرة مثل التحديات الإقليمية (الجيوسياسية)، التي قد تدفع بعض الشركات إلى تأجيل قرارات التوسع مؤقتًا رغم نيتها الواضحة فى دخول السوق.
كيف تعاملت الشركات الأجنبية مع الأزمة الاقتصادية وأزمة العملة الأجنبية خلال الفترة السابقة؟
كانت تلك الفترة صعبة عالميًا ومحليًا، وعانت العديد من الشركات من صعوبة توفير النقد الأجنبي اللازم للمواد الخام ومستلزمات الإنتاج.
لكن الدولة تعاملت مع الأمر باعتباره قضية أمن قومي، ووفرت احتياجات قطاع الدواء بشكل استثنائي حسب الأولويات.
معظم الشركات الأجنبية، لم تغادر مصر فى أصعب فترات الأزمات، لأننا نؤمن بأن السوق المصري مهم ومستقر على المدى الطويل و خصوصا مع حرص الدولة على توفير و تحسين المناخ الاستثماري اللازم.
تحملت العديد من الشركات الكبرى خسائر مؤقتة حفاظًا على استقرار السوق وتوافر الدواء، وهو ما ساهم فى تجاوز الأزمة بسرعة.
ما تقييمكم لدور هيئة الدواء المصرية فى تطوير الصناعة وتنظيم تسعير الأدوية خلال السنوات الأخيرة؟
هيئة الدواء المصرية تمثل نقطة تحول محورية فى تنظيم سوق الدواء.
نجحت فى تحقيق معادلة دقيقة بين حق المريض فى الحصول على دواء آمن وبسعر مناسب، وحق الشركات فى تحقيق مناخ و مقومات تساعد على استدامة الاستثمار واستمرار الإنتاج.
ومن أبرز خطوات الدولة فى هذا المجال تطبيق نظام التسعير المرن عام 2024، الذي ساعد الشركات على تجاوز آثار ارتفاع تكاليف الإنتاج وتقلبات سعر الصرف، خاصة فى الأدوية البيولوجية مرتفعة التكلفة.
لهذا، كان التسعير المرن بمثابة طوق نجاة، خصوصًا فى عام 2024، إذ واجهت بعض الشركات وضعًا أصبحت فيه تكلفة الإنتاج أعلى من سعر البيع لبعض منتجاتها.
لكن بفضل مزيج الشركات المحلية والعالمية، تم امتصاص الأزمة، وتحملت العديد من الشركات الكبرى خسائر مؤقتة حفاظًا على توافر الدواء فى السوق المصري.
سوق الدواء المصري شهد نمواً بالعملة المحلية، لكنه فى ذات الوقت يعاني من انكماش بالعملة الأجنبية؟ كيف ترى هذه المعادلة الصعبة وانعكاسها على الصناعة؟
هذه معادلة مهم جدا إدراكها لتحقيق توازن عادل يساعد على الاستدامة، سوق الدواء إذا تحدثنا عنه بالعملة المحلية نجد نمواً كبيراً ومن حيث العبوات المبيعة أيضا لكن عندما نحول المعادلة إلى العملة الأجنبية نجد انكماشا والسبب ارتفاع سعر العملات الأجنبية مقابل العملة المحلية، فكان حجم سوق الدواء فى مصر عام 2020 نحو 8 مليارات دولار، الآن 6.2 مليار دولار ، هذا الواقع أحيانا يجعل بعض الشركات العالمية تعيد تقييم خططها بناءً على القيمة الحقيقية للسوق بالعملة الأجنبية.
تحدثتم عن تصنيع الأنسولين محليًا.. إلى أين وصلت هذه الخطوة؟
وقعنا بالفعل اتفاقية مع إحدى الشركات المصرية لتصنيع الأنسولين البشري «الخرطوش و القارورة» محليًا و نبحث مثل هذا التوسع مع شركات محلية أخرى.
يمثل هذا المشروع نقلة بناءة فى ملف توطين الدواء، لأنه يهدف إلى تأمين توافر الأنسولين بأسعار مناسبة وجودة عالمية و يعد أيضا خطوة مهمة لنا للتوسع فى نوعية و كيفية التصنيع المحلي.
مع العلم أن هدفنا ليس فقط الإنتاج المحلي، بل المساعدة على بناء خبرات مصرية قادرة على التوسع فى التصدير لأنه يتطلب قدرات تسويقية و فنية مختلفة.
كيف تنظرون إلى ملف تصدير الدواء وفتح أسواق جديدة فى إفريقيا؟
التصدير هو البوابة الطبيعية لتوسع الصناعة المصرية، والسوق الإفريقية تمثل فرصة حقيقية للنمو.
مصر تمتلك ميزة جغرافية وسمعة دوائية قوية تؤهلها لتكون مركز توزيع للقارة.
و نحن نعمل على تعزيز التعاون مع شركائنا فى إفريقيا، ودعم المصدرين المصريين عبر اتفاقات تجارية وتسهيلات لوجستية.
هيئة الدواء تدعم هذا الاتجاه من خلال الاعتراف المتبادل مع هيئات تنظيمية إفريقية، ما يسهل دخول الأدوية المصرية إلى الأسواق الأخرى.
كما حرصت هيئة الشراء الموحد على جذب الهيئات الأجنبية من خلال المؤتمرات الكبيرة. و فى نفس السياق، لاحظنا طفرة نوعية فى التعاون الدولي المثمر بقيادة معالي نائب رئيس الوزراء و وزير الصحة أ.د. خالد عبد الغفار.
وهذا يزيد من الاحتياج إلى حلول عملية لتسريع وتيرة التصدير، من خلال تسويق قوي للمنتج، وضمان تسعير تنافسي، إضافة إلى التكامل بين الجهات الحكومية والشركات لتحقيق حضور أوسع للدواء المصري فى الخارج.
ما تعليقكم على ظاهرة التناول العشوائي للأدوية والممارسات الخاطئة فى السوق؟
الاستخدام غير الرشيد للأدوية قضية تمس صحة المواطن مباشرة.
هناك من يتناول الأدوية دون وصفة طبية أو يتأثر بحملات ترويج غير علمية على مواقع التواصل الاجتماعي، مما يؤدي إلى مضاعفات خطيرة ويضر بالصناعة المنظمة.
الوعي المجتمعي والرقابة الفعالة هما خط الدفاع الأول فى مواجهة هذه الممارسات.
هل تؤثر ظاهرة الترويج غير المهني للأدوية عبر الإنترنت على السوق المصري ؟
نعم، وبشكل متزايد. الإعلانات غير المصرح بها عن الأدوية عبر الإنترنت تخلق فوضى معلوماتية خطيرة.
لذلك نحتاج إلى تشريعات حديثة تنظم الإعلان الطبي الرقمي وتمنع إساءة استخدام الإنترنت فى الترويج للدواء.