يوافق اليوم ١٤ ديسمبر ذكرى رحيل الفنان الكبير أحمد راتب، ويستعيد الوسط الفني وجمهوره سيرة فنان من طراز خاص، لم يكن مجرد ممثل يؤدي أدوارًا مساندة، بل كان روحًا حاضرة تترك أثرًا عميقًا مهما كانت مساحة ظهوره.

فبأداء بسيط خالي من التكلف، وموهبة واعية تعرف متى تضحك ومتى تصمت، استطاع أحمد راتب أن يحجز لنفسه مكانة فريدة في تاريخ الفن المصري.

وُلد أحمد كمال الدين راتب في 22 يناير عام 1949 بحي السيدة زينب في القاهرة، ونشأ محبًا للتمثيل منذ طفولته، فكانت بداياته الأولى على مسرح المدرسة، قبل أن تتبلور موهبته بشكل أوضح خلال دراسته بكلية الهندسة، حيث شارك في فرق التمثيل الجامعي.

ولم يكتفي بذلك، بل قرر أن يتبع شغفه الحقيقي، فنقل أوراقه إلى المعهد العالي للفنون المسرحية، وحصل على درجة البكالوريوس عام 1974، لتبدأ بعدها رحلته الاحترافية في عالم الفن.

كانت بدايته الفعلية من خلال التلفزيون، ثم تنقل بين الدراما والمسرح والسينما، ونجح في تقديم أكثر من 283 عملًا فنيًا متنوعًا، جعلته واحدًا من أكثر الفنانين حضورًا واستمرارية. تميز أحمد راتب بتقديم الكوميديا الهادئة التي تعتمد على الذكاء والسخرية اللاذعة من الواقع، دون مبالغة أو افتعال، وهو ما جعله من أبرز الفنانين الذين جسدوا الأدوار الهزلية ذات البعد الاجتماعي.

في الدراما التلفزيونية، شارك في أعمال أصبحت علامات بارزة، من بينها "هند والدكتور نعمان"، "رأفت الهجان" بأجزائه المختلفة، "السيرة الهلالية"، "أم كلثوم"، "الإمام محمد عبده"، "العائلة"، "بوابة الحلواني" "المال والبنون"، "الجماعة"، "لحظات حرجة"، و"الأب الروحي"، حيث تنقل بين الشخصيات التاريخية والاجتماعية بسلاسة لافتة، مؤكّدًا قدرته على التلوّن الفني دون أن يفقد هويته.

أما على خشبة المسرح، فقد كان أحمد راتب أحد الأعمدة الأساسية للكوميديا الراقية، وشارك في مسرحيات شهيرة مثل "سك على بناتك"، "عفوًا يا هانم"، و"الواد ضبش عامل لبش"، وهي أعمال رسّخت حضوره المسرحي وأكدت خفة ظله الفطرية وقدرته على التواصل المباشر مع الجمهور.

وفي السينما، شكّل الراحل قاسمًا مشتركًا في عدد كبير من أفلام جيل الشباب، وشارك في أعمال مع كبار النجوم، من بينهم الفنان عادل إمام، حيث قدّم أدوارًا مساندة لا تقل أهمية عن البطولة، وترك بصمة واضحة في أفلام عديدة، كان آخرها فيلم طفوبيا" الذي انتهى من تصويره قبل رحيله، وعُرض عام 2017.

نال أحمد راتب خلال مسيرته عدة جوائز وتكريمات، أبرزها جائزة النقاد من مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي عام 2007، وجائزة عن فيلمي "في شقة مصر الجديدةط و"البلياتشو"، إلى جانب جائزة مهرجان الإذاعة والتليفزيون عن أدائه المميز في مسلسل طأم كلثوم"، الذي يُعد من أهم محطاته الفنية.

على المستوى الإنساني، عاش الفنان الراحل حياة أسرية مستقرة، حيث تزوج من ابنة خاله فيرا يوسف، وأنجب ثلاث بنات هن لمياء ولبنى ولميس، وكان معروفًا بتواضعه وقربه من زملائه ومحبيه داخل الوسط الفني وخارجه.

وفي صباح يوم الأربعاء 14 ديسمبر 2016، رحل الفنان أحمد راتب عن عمر ناهز 67 عامًا، إثر أزمة قلبية حادة، بعد أن كان قد نُقل إلى أحد المستشفيات الخاصة بمنطقة المهندسين نتيجة إصابته بضيق في التنفس.
ورغم رحيله، بقيت أعماله حيّة، تشهد على فنان آمن بأن البساطة هي جوهر الأداء الحقيقي، وبأن الكوميديا رسالة قادرة على كشف وجع المجتمع بضحكة صادقة.