على أطراف الصحراء الغربية بمحافظة المنيا ، حيث يهدأ النيل قبل أن يودّع المنيا شمالًا، تقف البهنسا كأنها صفحة قديمة من كتاب التاريخ، لم تُطوَ بعد. قرية صغيرة في مركز بني مزار ، لكنها أكبر من الجغرافيا، وأوسع من حدود المكان.
هنا لا تمرّ الأزمنة مرورًا عابرًا، بل تترك بصماتها عميقة في الأرض والوجدان، لتصنع مدينة جمعت بين الحضارة والقداسة، وبين الأسطورة والدم. مدينة تغيّر اسمها.. ولم تفقد روحها لم تكن البهنسا يومًا هامشًا في تاريخ مصر.
منذ آلاف السنين، كانت عاصمة للإقليم التاسع عشر في مصر العليا، وعُرفت باسم “بر مجد”؛ مكان اللقاء بين الوادي والواحات، عبر درب البهنساوي، أحد أقدم طرق التجارة والحج الديني. ومع دخول العصر اليوناني، ارتدت المدينة اسمًا جديدًا: “أوكسيرينخوس” – مدينة السمكة المقدسة.. اسم لم يكن مجرد لقب، بل انعكاس لعقيدة كاملة، ازدهرت في وجدان أهلها، وخلّدت المدينة في سجلات الحضارة القديمة. وفي العصر الروماني، بلغت البهنسا ذروة مجدها، حتى صارت ثاني أهم مدن مصر بعد الإسكندرية، تشهد مسرحًا رومانيًا ضخمًا، وألعابًا أوليمبية لم تعرفها خارج روما إلا مدن معدودة.
حين عبرت المسيحية.. وصار المكان صلاة مع دخول المسيحية إلى مصر، تحولت البهنسا إلى محطة روحانية كبرى، إذ تروي الذاكرة الشعبية أن العائلة المقدسة مرّت من هنا، وأن السيدة مريم العذراء استظلت بشجرة ما زالت قائمة حتى اليوم، شاهدة على رحلة الخلاص. لم تتوقف الحكاية عند هذا الحد؛ فقد امتلأت صحاري البهنسا بالرهبان، وصارت كهوفها معابد صامتة للصلاة والتأمل، لتصبح المدينة ملاذًا روحيًا للباحثين عن السكينة في قلب الصحراء. الفتح الإسلامي..
حين صارت الأرض دمًا وخلودًا لكن الفصل الأكثر تأثيرًا في حكاية البهنسا كُتب بمداد الدم، فكانت المدينة حصنًا رومانيًا منيعًا، بأسوار شاهقة وحاميات قوية. ومع الفتح الإسلامي، دارت معارك طاحنة قادها قيس بن الحارث المرادي وضرار بن الأزور وعبد الله بن الزبير. سقط في هذه المعارك عشرات من الصحابة الذين شهدوا بدرًا، وآلاف من التابعين، دُفنوا جميعًا في أرض البهنسا، لتتحول إلى واحدة من أعظم مقابر الشهداء في العالم الإسلامي، وتُعرف منذ ذلك الحين بـ “البقيع الثاني”، ويدفن بها نحو 5000 من الصحابة والتابعين. قباب لا تنام.. وأضرحة تحرس الذاكرة حتى اليوم، تنتشر القباب البيضاء في أرجاء البهنسا، كأنها نجوم هبطت على الأرض.. أضرحة لصحابة وآل بيت وتابعين، تحمل أسماء صنعت التاريخ، وتمنح المكان هيبة خاصة.
يقول الزائرون إن الخطى هنا تخفّ، والقلوب تهدأ، وكأن للمكان سرًا لا يُرى، وفي مواسم الزيارات، تفد القوافل من كل صوب، لا بحثًا عن أثر فقط، بل عن طمأنينة لا تمنحها المدن الصاخبة. لغز الاسم.. وجمال الأسطورة تحكي الروايات الشعبية أن اسم البهنسا يعود إلى “ بهاء النسا ”، ابنة أحد الحكام البطالمة، التي فاق جمالها الوصف.
ومع تعاقب القرون، اختصر الاسم وبقيت الأسطورة، تضيف بعدًا إنسانيًا إلى مدينة اعتادت أن تكون مسرحًا للحكايات. وفي العصور الإسلامية، لم تكن البهنسا مدينة دين فحسب، بل مركزًا اقتصاديًا نشطًا، اشتهرت بصناعة النسيج الموشى بالذهب، لتجمع بين الروح والرزق، وبين الزهد والازدهار.
مدينة تنتظر من يوقظها اليوم، تقف البهنسا على مفترق طرق، آثار نادرة، وتاريخ ممتد، وروحانية فريدة، لكنها ما زالت بعيدة عن خريطة الاهتمام السياحي التي تستحقها، ففي شوارعها، يمشي الفلاح إلى جوار الزائر، وتظل شجرة مريم واقفة، بينما تعكس قباب الشهداء شمس الصعيد، كأنها تذكّر الجميع بأن هنا "أرضًا لم تُنسَ، ومدينة كتبت تاريخها بدم الشهداء وصلوات العابرين".