نموذج أكبر، وأكثر تنظيما هنا فى «عزبة الزبالين» الواقعة على السفح الجنوبى لجبل المقطم ، أسفل قلعة صلاح الدين الأيوبي، ومن اسمها تدرك نشاطها.. نموذج آخر للعمل حيث تتحول المخلفات إلى مصدر خام ثمين للكثير من الصناعات، ويعمل فى هذه المنظومة قرابة مليون مصري، يرفعون يوميًا نحو 18 ألف طن من القمامة من المنازل والمنشآت السياحية، بخلاف قمامة الشوارع.
من هذه الكمية، يتم إعادة تدوير نحو 8 آلاف طن من المواد الصلبة و6 آلاف طن من المواد العضوية تُستخدم كغذاء للخنازير، بينما يبقى نحو 4 آلاف طن غير قابل للتدوير، يحتاج كل طن من القمامة إلى 11 عاملًا فى مراحل الجمع والفرز والنقل والتدوير.
عالم لا ينام
من الوهلة الأولى، تدرك أن هذه العزبة الصغيرة تحمل بين جدرانها نظامًا متكاملًا يدور فيه الاقتصاد فى صمت.
فعند مدخل العزبة، يتصاعد هدير الشاحنات الصغيرة المحملة بأطنان المخلفات و القمامة الواردة من أنحاء القاهرة، فوق الأسطح تتكدس الأكياس، وفى الأزقة الضيقة يعلو صدى العمل بلا توقف.. ورغم الرائحة الكريهة والمشهد المزدحم، إلا أن النظام يحكم كل شيء بدقة مدهشة.
فى الداخل، رأينا فى محطات التدوير شبابًا وفتيات فى عمر الزهور، رجال ونساء بعضهم يرتدى القفازات، وبعضهم يعمل بيديه العاريتين، تتراوح أجرة العامل اليومية بين 200 إلى 350 جنيهًا، بحسب خبرته وسرعته، يبدأ يومه مع الفجر ولا ينهى إلا بانتهاء حصته المحددة، الجميع يعمل بإيقاع واحد، تملؤه الحيوية رغم قسوة الحياة، حتى الأطفال يذهبون إلى مدارسهم فى الصباح، ثم يعودون ليعينوا أسرهم فى الفرز بعد الظهر.
من قلب المهنة
«العملية تبدأ بتحديد النفايات القابلة لإعادة الاستخدام، حيث يتم جمع المواد، وفصلها يدويًا، وتنظيفها من الزيوت وبقايا الطعام، ثم تحويلها إلى خامات جديدة تدخل فى صناعات مثل العبوات البلاستيكية ، ورق التغليف، الأدوات المعدنية، والزجاجات»، كما أوضح عزت بشرى، صاحب إحدى محطات التدوير.
أما المعلم شحاتة المقدس، نقيب الزبالين، فقد أشار إلى دخول التكنولوجيا إلى عملهم قبل 15 عاما، لافتا إلى أن هذه التكنولوجيا تمثلت فى استبدال العربات الكارو، بسيارات حديثة، مكنتهم من رفع أطنان أكثر من القمامة فى وقت أسرع، ومن مناطق أكثر فى القاهرة والجيزة والقليوبية.
وتطرق «المقدس» إلى تاريخ عائلته، فقال إن مهنة جمع ونقل و إعادة تدوير القمامة بدأت عام 1948، وكان عددهم لا يتجاوز 100 عامل، وبعد ثورة 1952 بدأ جامعو القمامة من أسيوط والمنيا فى التوافد للقاهرة، حتى بلغ عددهم الآن أكثر من مليون عامل.
وأشار إلى أن النباشين يتسببون فى بعثرة القمامة الموضوعة داخل صناديق الشوارع أمام المنازل ، ما يؤدى إلى تلوث الأماكن المحيطة وانتشار المخلفات بطريقة عشوائية، مشددا على أن هذه الفئة رفضت الاندماج فى منظومة جمع القمامة بشكل منظم، ويقيم أغلبهم فى مناطق عشوائية مثل عزبة الهجانة والبساتين.
وأضاف أنه تمكن بالتعاون مع محافظ القاهرة، من معالجة هذه المشكلة داخل العاصمة، لافتا إلى أن تطبيق منظومة الجمع السكنى كان المفتاح الرئيسى للقضاء على الظاهرة.
وأوضح أن تلك المنظومة، تعتمد على جمع القمامة من كل شقة مباشرة بواسطة سيارات مخصصة تجوب الشوارع باستمرار، ما أدى إلى اختفاء صناديق القمامة من الطرق العامة، وبالتالى تراجع وجود النباشين فى أحياء القاهرة.
خطة لنظافة مصر
وأكد نقيب الزبالين بفخر أن عمل جامعى القمامة يوفر للدولة ملايين الدولارات كانت تُنفق على استيراد المواد الصلبة من الخارج، وأنه على استعداد لتكرار التجربة فى أى محافظة ترغب فى تنفيذ منظومة مشابهة، مشددا على أن الجمع السكنى يمثل الحل الأكثر فعالية للحد من الظاهرة والارتقاء بمنظومة النظافة .
واستطرد: «أما الخنازير التى نربيها بالقرب من مقالب ومحطات الفرز فهى جزء من الدورة البيئية، تساعد فى التخلص من المخلفات العضوية وتمنع تلوث المياه الجوفية».
التنظيم العمالي
وعن التنظيم العمالي لجامعي القمامة، قال المعلم شحاتة المقدس ، إن النقابة العامة للعاملين بالنظافة وتحسين البيئة تأسست بعد 2011، ووضعت خطة وطنية لنظافة مصر، وأنهت عقود الشركات الأجنبية التى كانت تتقاضى أموالها بالدولار، موضحا أن اشتراك العضو فى النقابة 80 جنيهًا سنويا.
ولفت إلى أنه عند تعرض أحد العمال لحادث أو إصابة، تتكفل النقابة بجزء من التكاليف بمساعدة الجمعيات الأهلية، مشيرا إلى أن المهندس نجيب ساويرس يدعم الزبالين غير القادرين والمرضى بمليون جنيه سنويًا.