أعلنت وزارة الثقافة فتح أبواب متحف ومركز الأبنودي للسيرة الهلالية أمام الجمهور، في إطار مبادرة "فرحانين بالمتحف الكبير.. ولسه متاحف مصر كتير"، التي تُنظم برعاية الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة.

وتأتي المبادرة تأكيدًا على أن الإبداع المصري لا يقتصر على موقع واحد، بل يمتد عبر شبكة من المتاحف النوعية المنتشرة في مختلف محافظات الجمهورية، ومن بينها متحف الأبنودي الذي يُعد أحد المنارات الثقافية المعنية بحفظ التراث الشعبي والسيرة الهلالية.
يقع متحف ومركز الأبنودي للسيرة الهلالية بقرية أبنود في محافظة قنا، ويعد مقصدًا لعشاق التراث الشعبي والباحثين في فنون الحكي الشفاهي، حيث يضم مقتنيات نادرة توثق جانبًا مهمًا من تاريخ السيرة الهلالية، وما تحمله من بطولات وقيم ثقافية فريدة تناقلتها الأجيال عبر رواة الربابة في القرى والنجوع. ويقام المتحف على مساحة تقترب من 870 مترًا مربعًا.
وهو يُعد المتحف الأول من نوعه في مصر المتخصص في السيرة الهلالية، وقد أسسه الشاعر الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودي، عام 2015، في مسقط رأسه، تتويجًا لرحلة امتدت لأكثر من ثلاثين عامًا في جمع هذا التراث الشفاهي المهدد بالاندثار. فقد أدرك الأبنودي مبكرًا أن رحيل شعراء الربابة الكبار، مع غياب الوعي لدى الأجيال الجديدة، يهدد أحد أهم روافد الثقافة الشعبية المصرية والعربية.
يضم المتحف حصيلة هذا الجهد الاستثنائي، حيث يحتوي على أكثر من 15 مجلدًا للسيرة الهلالية، و96 شريط كاسيت، إلى جانب نسخ رقمية (CDs) توثق السيرة كاملة بصوت أشهر رواتها، وعلى رأسهم الراوي الأسطوري جابر أبو حسين، الذي سجّل السيرة كاملة للإذاعة المصرية، ثم الراوي الكبير سيد الضوي، أحد ألمع شعراء السيرة في صعيد مصر.
كما يضم المتحف أكثر من ثمانية آلاف كتاب، معظمها دراسات وبحوث في التراث الشعبي وفنون الحكي والسير الشعبية في مصر والعالم العربي، تتصدرها سيرة بني هلال، التي كانت تُروى في ليالي السمر والأفراح حتى أربعينيات القرن الماضي، وكانت بعض الأسر تستضيف الرواة لأسابيع كاملة حفاظًا على هذا التراث من الضياع.
ويحتوي المتحف أيضًا على قاعة عرض متحفي تضم صورًا فوتوغرافية نادرة توثق المراحل العمرية لرحلة الأبنودي في جمع السيرة، وصورًا له مع كبار رواة السيرة الهلالية عبر عقود مختلفة، إلى جانب67 عملًا فنيًا، وغرفة مخصصة لحفظ وعرض الشرائط، واستراحة للدارسين والباحثين.
ولم تقتصر مقتنيات المتحف على التراث السمعي والوثائقي فقط، بل شملت عددًا من المتعلقات الشخصية للشاعر الراحل، تسلمتها إدارة المتحف من زوجته الإعلامية نهال كمال، من بينها دروع التكريم التي حصل عليها من جهات رسمية في مصر وعدد من الدول العربية، وملابسه الشخصية، ونظارته، وقلمه، وعصاه، فضلًا عن صور توثق محطات تكريمه المختلفة.
والمتحف مكون من مبنيين: الأول مخصص لمتحف السيرة الهلالية واستراحة الباحثين، والثاني لمكتبة أبنود، التي تحتوي على مكتبة أطفال تضم 1332 كتابًا، ومكتبة اطلاع للشباب والكبار تضم نحو 3759 كتابًا، بالإضافة إلى قاعات للندوات والاجتماعات، والهوايات، والتكنولوجيا، وصالة اطلاع عامة، بما يجعل المتحف مركزًا ثقافيًا متكاملًا يخدم أبناء الصعيد.
وقد افتُتح المتحف رسميًا في 30 مايو 2015، بالتزامن مع ذكرى الأربعين لوفاة الأبنودي، ليكون بمثابة هدية منه لأهالي قريته، ومرجعًا علميًا وثقافيًا للباحثين ومحبي السيرة الهلالية، وتجسيدًا حيًا لإيمانه بأن التراث الشعبي هو أحد أعمدة الهوية المصرية، والجدير بالحفظ والرعاية للأجيال القادمة.
وتؤكد وزارة الثقافة أن متحف ومركز الأبنودي للسيرة الهلالية يمثل محطة ثقافية وفنية مهمة ضمن خريطة المتاحف المصرية، ويجسد نموذجًا فريدًا للتكامل بين الفن والتراث والهوية الوطنية، داعية الجمهور إلى زيارته والتعرف عن قرب على أحد عناصر التراث المصري المسجلة باسم مصر في اليونسكو "السيرة الهلالية" و الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي الذي ترك إرثًا ثقافيًا وإنسانيًا خالدًا، جعله حاضرًا في وجدان المصريين، فلقبوه "بالخال" تعبيرًا عن محب الناس له وقربه منهم ، قبل أن يرحل في عام 2015، تاركًا أثرًا لا يُمحى في الشعر والثقافة الشعبية.