روسيا وإفريقيا بين الخطاب والشراكة.. قراءة في رؤية لافروف لـ«إفريقيا 2063»

روسيا وإفريقيا بين الخطاب والشراكة.. قراءة في رؤية لافروف لـ«إفريقيا 2063»وزير الخارجية الروسي لافروف

عرب وعالم19-12-2025 | 13:20

يعكس مقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الموجّه إلى وسائل الإعلام الأفريقية على هامش المؤتمر الوزاري الثاني لمنتدى الشراكة روسيا–أفريقيا، إدراك موسكو المتزايد لأهمية القارة الإفريقية بوصفها فاعلًا محوريًا في النظام الدولي المتغيّر، لا سيما في ضوء «رؤية إفريقيا 2063» التي أقرها الاتحاد الإفريقي عام 2015 باعتبارها خارطة طريق للتنمية والاستقرار.

اللافت في طرح لافروف هو التركيز الواضح على البعد الدبلوماسي، حيث يشير إلى التوسع الروسي في فتح السفارات داخل القارة، بما يعكس رغبة في ترسيخ حضور سياسي مباشر وعدم الاكتفاء بإدارة العلاقات من العواصم الكبرى. هذا التوجه يبعث برسالة سياسية مفادها أن إفريقيا لم تعد ساحة هامشية في الحسابات الروسية، بل شريكًا حاضرًا في معادلة النفوذ الدولي.

اقتصاديًا، يبرز المقال لغة الأرقام، خصوصًا ما يتعلق بارتفاع حجم التبادل التجاري بين روسيا والدول الإفريقية إلى أكثر من 27 مليار دولار، مقارنة بعام 2019. ورغم أن الرقم لا يزال متواضعًا إذا ما قورن بشركاء دوليين آخرين للقارة، إلا أن موسكو تحاول تقديم نفسها كشريك بديل يقوم على تنويع التبادل التجاري، وتوسيع استخدام العملات المحلية، وتقليل الاعتماد على النظم المالية الغربية.

كما يلفت الانتباه تأكيد لافروف أن روسيا لا تنظر إلى إفريقيا كمجرد مصدر للمواد الخام، وهو خطاب يحمل بعدًا سياسيًا بقدر ما هو اقتصادي، خاصة في ظل الانتقادات التاريخية الموجهة للقوى الكبرى بشأن استنزاف الموارد الإفريقية. غير أن ترجمة هذا الخطاب إلى مشاريع صناعية وتنموية مستدامة ستظل المعيار الحقيقي لمدى مصداقيته.

وفي السياق ذاته، يستحضر الوزير الروسي الإرث السوفييتي في إفريقيا، بالإشارة إلى مئات المنشآت الصناعية والبنى التحتية التي أُقيمت بدعم من الاتحاد السوفييتي ولا تزال تعمل حتى اليوم. هذه الإشارة ليست عابرة، بل تهدف إلى بناء سردية ثقة تاريخية، تستند إلى الذاكرة السياسية المشتركة، في مواجهة تنافس دولي محتدم على القارة.

أما على المستوى الإنساني، فيتوقف المقال عند المساعدات الروسية في مجالات القمح، والأسمدة، والصحة، والتعليم، وتدريب الكوادر الإفريقية، وهي عناصر تحاول موسكو من خلالها تعزيز صورتها كشريك تنموي لا يقتصر حضوره على السياسة والسلاح. ويبرز هنا ملف المنح الدراسية وتزايد أعداد الطلبة الأفارقة في الجامعات الروسية، باعتباره استثمارًا طويل الأمد في العلاقات الإنسانية والثقافية.

في المحصلة، يقدم مقال لافروف رؤية روسية متكاملة للعلاقة مع إفريقيا، تجمع بين السياسة والاقتصاد والثقافة، وتتماهى في خطابها مع طموحات «إفريقيا 2063». غير أن التحدي الحقيقي سيظل في قدرة هذه الرؤية على الانتقال من مستوى التصريحات إلى شراكات ملموسة تنعكس مباشرة على حياة المواطن الإفريقي، في ظل تنافس دولي لا يترك مجالًا للخطاب وحده.

ويبدو أن المؤتمر الوزاري في القاهرة، كما يشير لافروف، قد يكون محطة تمهيدية مهمة باتجاه القمة الروسية–الإفريقية الثالثة المرتقبة في 2026، وهي قمة ستكشف بوضوح ما إذا كانت موسكو قادرة على ترسيخ موقعها كشريك استراتيجي مستدام لإفريقيا، أم أن الأمر سيظل في إطار الرغبة السياسية أكثر منه واقعًا فعليًا.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان