لا تزال مسرحية « الملك لير » تثبت، مع كل إعادة تقديم، أن النصوص العظيمة لا تفقد بريقها مهما مر الزمن، بل تزداد حضورًا كلما وجدت من يتعامل معها بوعي فني حقيقي.
ويأتي العرض المسرحي « الملك لير » بطولة الفنان الكبير الدكتور يحيى الفخراني ، ليؤكد أن المسرح القومي قادر على تقديم عمل ضخم يجمع بين القيمة الفنية والرهان على جمهور متعطش للمسرح الجاد.
تنطلق المسرحية من واحدة من أعقد تراجيديات وليام شكسبير، التى تناقش السلطة والغرور والخيانة وسقوط الإنسان حين يخلط بين الحب الحقيقى وكلمات التملق، وهى ثيمات لا تنتمى إلى زمن بعينه، بل تتكرر فى كل عصر، وهو ما يمنح « الملك لير » قدرتها الاستثنائية على الاستمرار.
وفى هذا العرض، جرت معالجة النص الأصلى باختصاره من خمسة فصول إلى فصلين، دون المساس بروحه أو جوهره الإنساني، وبما يتناسب مع زمن عرض يمتد لثلاث ساعات، ويضمن إيقاعًا مسرحيًا متوازنًا يحافظ على تركيز الجمهور حتى النهاية.
يحيى الفخراني… خبرة ممثل ووعى فنان
يقدم الفنان القدير يحيى الفخرانى شخصية «الملك لير» بوصفها رحلة إنسانية معقدة، لا مجرد سقوط ملك فقد عرشه، فالأداء يقوم على التحولات النفسية العميقة، من الغرور والثقة المفرطة، إلى الانكسار والوعى المتأخر، وهى مساحة يعرف الفخرانى كيف يتعامل معها بخبرة تراكمت عبر سنوات طويلة من المسرح والدراما.
وقد أكد الفخراني، فى تصريحات سابقة، أن الاتفاق مع إدارة المسرح القومى على تخصيص ميزانية مفتوحة للعمل كان قرارًا ضروريًا، نظرًا لضخامة الإنتاج وتكلفته العالية، وهو ما ساهم فى خروج العرض بصورة تليق بقيمة النص وأهميته.
عرض بصرى متكامل
يتميز عرض «الملك لير» بكونه تجربة مسرحية متكاملة العناصر، لا تعتمد فقط على قوة التمثيل، بل على بناء بصرى وسمعى مدروس، فالعرض يضم ديكورات وأزياء غير تقليدية، إلى جانب موسيقى واستعراضات تخدم الحالة الدرامية ولا تطغى عليها، وهو ما تطلب ميزانية إنتاج كبيرة.
ويشارك فى بطولة العرض نخبة من نجوم المسرح المصري، إلى جانب يحيى الفخراني، من بينهم طارق دسوقي، حسن يوسف، أحمد عثمان، تامر الكاشف، أمل عبدالله، وإيمان رجائي، فى توليفة تمثيلية تعتمد على الانضباط الجماعى أكثر من النجومية الفردية.
أما العناصر الفنية، فيتولى مكياج العرض إسلام عباس، والاستعراضات ضياء شفيق، والموسيقى أحمد الناصر، والإضاءة محمود الحسينى «كاجو»، والملابس علا علي، والديكور حمدى عطية، مع إخراج شادى سرور، فى رؤية إخراجية تحترم النص وتمنحه مساحة للتنفس دون افتعال.
لغة عربية تفتح باب المسرح للجميع
واحد من أبرز اختيارات العرض يتمثل فى الاعتماد على ترجمة د. فاطمة موسى للنص، وهى ترجمة وصفها يحيى الفخرانى بأنها سلسة وقادرة على الوصول إلى مختلف الأعمار.
ويؤكد الفخرانى أن اللغة العربية، حين تقدم بشكل صحيح، تصبح عنصر جذب لا عائقًا، قائلًا إن أطفالًا يحضرون العرض ويستمتعون به، فى دلالة واضحة على أن الجمهور لا يرفض الكلاسيكيات، بل يرفض الطريقة المعقدة فى تقديمها.
«الملك لير» ذروة مأساة الإنسان
يرى الناقد الكبير محمود قاسم أن «الملك لير» من أكثر نصوص شكسبير قسوة وصدقًا، لأنها تكشف هشاشة الإنسان حين يواجه الحقيقة بعد فوات الأوان، ويؤكد أن استمرار هذا النص على خشبة المسرح حتى ليله العرض الـ "90" يعود إلى كونه يعرى النفس البشرية دون تجميل، ويضع المشاهد أمام أسئلة أخلاقية وإنسانية لا تنتهى صلاحيتها.
وأكد أن عبقرية شكسبير تكمن فى قدرته على التوغل داخل النفس البشرية، بعيدًا عن الثنائية البسيطة بين الخير والشر، فهو يكتب عن الإنسان فى أقصى لحظاته من الضعف والغضب والخوف، مما يمنح شخصياته عمقًا وصدقًا يجعل المشاهد يشعر وكأنه يواجه نفسه، إضافة إلى بنائه الدرامى الذى يسمح للممثل والمخرج باستكشاف كل شخصية من الداخل، مع ترك النص مفتوحًا لتفسيرات متعددة، سياسية واجتماعية ونفسية، وهو ما يفسر استمرار حيوية أعماله وجاذبيتها للجمهور عبر العصور.
قابل للتأويل
من جانبه، أكد الناقد رامى عبد الرازق أن سر نجاح أعمال شكسبير، ومنها «الملك لير»، يكمن فى مرونتها وقدرتها على التكيف مع كل عصر، ويشير إلى أن النص يمنح المخرج والممثل مساحة واسعة للتفسير، دون أن يفقد معناه الأساسي، وهو ما يجعل كل عرض جديد تجربة مختلفة، حتى وإن كان النص واحدًا.
قدرة على التكيف
ويضيف الناقد رامى عبد الرازق أن سر استمرار نجاح أعمال شكسبير يكمن فى مرونتها وقدرتها على التكيف مع كل عصر وجمهور، فالنصوص تمنح الممثل والمخرج مساحة واسعة للإبداع والتفسير دون أن تفقد جوهرها الأساسي، كما أنها تطرح أسئلة إنسانية كبيرة عن السلطة والخيانة والحب والعدالة، مما يجعل كل عرض جديد تجربة فريدة، ويؤكد أن الجمهور يتفاعل مع شكسبير ليس لمجرد متابعة قصة، بل لشعوره بأن المسرح يعكس تجاربه الإنسانية بصدق وعمق.
وتابع: عرض «الملك لير» بطولة يحيى الفخرانى يثبت أن المسرح الجاد لا يزال قادرًا على جذب الجمهور، متى توفرت الرؤية، والاحترام، والإنتاج الذى يضع القيمة الفنية فى المقدمة، فهو لا يراهن على السهولة، بل على الذكاء.