في ذكرى رحيل الفنان الكبير صلاح ذو الفقار، يستحضر المشهد السينمائي المصري واحدًا من أعظم نجومه الذين جمعوا بين البطولة الوطنية والموهبة الفنية الرفيعة، ليصبح اسمه محفورًا في ذاكرة السينما والمسرح والتليفزيون على حد سواء.

من ضابط شرطة إلى نجم الشاشة
ولد صلاح الدين أحمد مراد ذو الفقار في 18 يناير 1926 بمدينة المحلة الكبرى، في أسرة عسكرية وأرستقراطية، حيث كان والده الأميرالاي أحمد مراد بك ذو الفقار أحد كبار رجال وزارة الداخلية، ووالدته نبيلة هانم من أصول فرنسية.
نشأ صلاح على الانضباط والالتزام، وكان والده يحلم بأن يصبح طبيبًا، فانضم صلاح في البداية لكلية الطب جامعة الإسكندرية.
لكن قلبه كان يميل لمجالات أخرى، فاتجه إلى أكاديمية الشرطة وتخرج عام 1946، ليبدأ رحلة مهنية حافلة بالإنجازات، شملت العمل في مديرية أمن المنوفية، ومصلحة السجون، حيث كان ضابطًا في سجن مصر، ومدرسًا في أكاديمية الشرطة.

كان صلاح ذو الفقار مثالًا للشجاعة الوطنية، فقد شارك في معركة الإسماعيلية 25 يناير 1952، حيث تصدى رجال الشرطة المصريين، بمن فيهم صلاح ذو الفقار، لقوات الاحتلال البريطاني، في مواجهة بطولية تخلدت في تاريخ مصر. كما قاد مجموعة من طلاب أكاديمية الشرطة في أكتوبر 1956 لمواجهة العدوان الثلاثي، ونال نوط الواجب العسكري من الرئيس جمال عبد الناصر تقديرًا لدوره البطولي.

البداية الفنية… خطوة جريئة نحو النجومية
لم يكن الفن خيارًا أول لصلاح ذو الفقار، لكنه كان يرافق شغفه منذ صغره، بفضل شقيقه المخرج عز الدين ذو الفقار الذي حاول أكثر من مرة إقناعه بخوض تجربة التمثيل.
ومع إلحاحه، وافق صلاح على المشاركة في فيلم "عيون سهرانة" أمام الفنانة شادية، بعد الحصول على تصريح استثنائي من وزارة الداخلية، ليبدأ مشوارًا سينمائيًا استثنائيًا.
انطلقت نجومية صلاح الحقيقيّة مع فيلم "رد قلبي" عام 1957، حيث جسّد شخصية "حسين" بخفة ظل وبساطة، وهو الدور الذي فتح له أبواب الشهرة والنجومية، لتتوالى بعدها أفلامه الناجحة في أدوار رومانسية وكوميدية ودرامية، ليصبح أحد أعمدة السينما المصرية في فترة الخمسينيات والستينيات.

التنوع الفني… بين السينما والمسرح والتليفزيون
قدم صلاح ذو الفقار أكثر من 250 عملًا فنيًا في السينما والمسرح والتليفزيون، ونجح في المزج بين الرومانسية والشقاوة، والدراما والكوميديا، من أبرز أعماله السينمائية: "أغلى من حياتي"، "الرجل الذي فقد ظله"، "غروب وشروق"، "ملاك وشيطان"، و"الرجل الثاني".

وفي التليفزيون، ترك بصمة من خلال أعمال خالدة مثل "رأفت الهجان"، "عائلة شلش"، و"أبدا لن أنساه". أما المسرح، فكان له حضور قوي من خلال أعمال مثل "رصاصة في القلب"، "روبابيكيا"، و"عازب وثلاث عوانس"، مؤكّدًا قدرته على أداء النصوص الكلاسيكية والحديثة ببراعة.

المنتج المدافع عن المرأة وقضايا المجتمع
لم يقتصر دور صلاح ذو الفقار على التمثيل، بل أسس شركته الخاصة للإنتاج السينمائي، وقدم أفلامًا تركت أثرًا اجتماعيًا مثل "أريد حلا" عام 1975، الذي ساهم في تغيير قانون الأحوال الشخصية لصالح المرأة، ونال عنه جائزة الدولة الأولى في الإنتاج. وكان دائمًا مدافعًا عن حقوق المرأة في السينما، مقدمًا أفلامًا توازن بين النجاح الجماهيري والرسالة الإنسانية.

الحياة الشخصية والزواج
تزوج صلاح ذو الفقار أربع مرات، من بينهم المطربة شادية، وقد شكل معها ثنائيًا فنيًا ناجحًا قدما عدة أفلام ناجحة جماهيريًا ونقديًا، كما كان لأسرته دور في استقراره الشخصي، فكان والده ووالدته داعمين لمسيرته حتى لو اختلفت الرغبات، وأثمرت حياته الأسرية ثلاثة أبناء وأحفاد.

الجوائز والتكريم
حصل صلاح ذو الفقار على العديد من الجوائز والتكريمات، منها جوائز الدولة في التمثيل والإنتاج، واختيرت أفلامه ضمن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية بمناسبة مئوية السينما 1996، وقد تولى أيضًا منصب وكيل نقابة المهن التمثيلية عام 1986، مؤكّدًا دوره المؤثر في الوسط الفني.
الرحيل والإرث الفني
رحل صلاح ذو الفقار عن عالمنا يوم 22 ديسمبر 1993 عن عمر يناهز 67 عامًا، تاركًا إرثًا فنيًا خالدًا، وموروثًا ثقافيًا غنيًا، شكل أيقونة السينما المصرية التي جمعت بين البطولة الوطنية والفن الراقي، واستمرت مسيرته مصدر إلهام للأجيال القادمة.
صلاح ذو الفقار لم يكن مجرد ممثل، بل كان رمزًا للفن الذي يمزج بين الموهبة والالتزام، بين الوطنية والشغف، ليظل اسمه خالدًا في ذاكرة السينما المصرية والعربية.