فى ظل التصعيد المتبادل بين إسرائيل و إيران ، يتصاعد الجدل داخل الدوائر السياسية والأمنية الإقليمية والدولية حول احتمالية إقدام تل أبيب على توجيه ضربة عسكرية ضد إيران للمرة الثانية، فى خطوة قد تفتح الباب أمام واحدة من أخطر المواجهات فى تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
هذا الاحتمال لم يعد مجرد تكهنات إعلامية، بل بات مطروحًا بجدية فى ضوء تسارع البرنامج النووى الإيراني، وتنامى القدرات الصاروخية لطهران، واتساع نطاق المواجهة غير المباشرة بين الطرفين عبر ساحات إقليمية متعددة.
وقد ظهرت العديد من المؤشرات على اتجاه إيران إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية، وذلك عقب حرب يونيو مع إسرائيل ، والتى عُرفت أيضًا بحرب الاثنى عشر يومًا، والتى تعرضت فيها إيران لضربات جوية إسرائيلية واسعة على منشآت استراتيجية داخل الأراضى الإيرانية، بما فى ذلك مواقع صاروخية، ومنصات إطلاق صواريخ، ومواقع نووية، فضلًا عن استهداف قيادات داخل الأجهزة الأمنية، ما يعنى تضرر القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير.
كشفت تقارير أمريكية عن عزم رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو إطلاع الرئيس دونالد ترامب على خطة هجوم جديد محتمل ضد إيران، وسط تساؤلات عن احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية جديدة بين الجانبين.
وجاءت هذه التقارير قبيل لقاء مرتقب بين نتنياهو وترامب نهاية الشهر الجاري، فى توقيت حساس يتزامن مع تصاعد حدة التوتر بين تل أبيب وطهران، وسط مخاوف من تجدد دورة العنف التى توقفت مؤقتًا باتفاق وقف إطلاق النار.
وتزامن الخبر مع ما كشفه موقع "أكسيوس" الأمريكى بأن رئيس الأركان الإسرائيلى أبلغ قائد القيادة الوسطى الأمريكية بقلق إسرائيل بشأن مناورة الصواريخ التى بدأها الحرس الثورى الإيراني، معتبرًا أن التحركات الإيرانية الأخيرة قد تكون غطاءً لهجوم مفاجئ.
وتقول التقارير الإسرائيلية إن إيران تسعى لتوسيع ترسانتها الصاروخية وتكثيف تجاربها الصاروخية ومناوراتها العسكرية، حيث تنتج صواريخ باليستية بوتيرة سريعة وبكميات كبيرة إلى جانب تجارب على صواريخ باليستية وصواريخ كروز على أهداف محاكاة.
الإنذار الهاتفي
وأشارت المصادر الإسرائيلية إلى أن إيران أجرت قبل شهر تدريبًا على الإنذار الهاتفى فى عدة مناطق، على غرار الرسائل التحذيرية التى يتلقاها الإسرائيليون أثناء إطلاق الصواريخ، فى خطوة تعكس جدية الاستعدادات لمواجهة محتملة.
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن طهران تنتج نحو 300 صاروخ باليستى شهريًا، وقد يصل إنتاجها السنوى إلى 3 آلاف صاروخ، فى تطور يثير قلق تل أبيب من تنامى القدرات الصاروخية الإيرانية.
من جهته، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو أن إسرائيل تراقب عن كثب التدريبات الأخيرة التى تجريها إيران، مشددًا على أن التوقعات الأساسية بشأن أنشطتها لم تتغير.
وأضاف نتنياهو، خلال مؤتمر صحفى مشترك عُقد فى القدس المحتلة بمشاركة كل من رئيس الوزراء اليونانى كيرياكوس ميتسوتاكيس ورئيس قبرص نيكوس خريستودوليديس، فى ختام القمة الثلاثية التى جمعت الدول الثلاث فى إطار تعزيز التعاون الاستراتيجى والأمني: "رسالتى ل إيران واضحة للغاية: أى عمل عدائى ضد إسرائيل سيواجه برد شديد وحاسم"، كما أشار إلى أن الأنشطة النووية الإيرانية ستشكل محور النقاشات المقبلة مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
ورد وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى على احتمال تعرض بلاده لهجوم إسرائيلى بالقول إن إيران لا تستبعد هذا الاحتمال، لكنها على أتم الاستعداد له، مضيفًا أن بلاده أعادت بالفعل بناء كل ما تضرر فى العدوان السابق.
وأضاف عراقجى أنه إذا أرادت إسرائيل تكرار التجربة الفاشلة نفسها فلن تحقق نتيجة أفضل، فى رسالة واضحة تعكس ثقة طهران بقدرتها على الرد على أى هجوم محتمل، وسط حالة من التصعيد اللفظى المتبادل.
البرنامج النووي
ترى إسرائيل أن اقتراب إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية يمثل تهديدًا وجوديًا لا يمكن احتواؤه عبر الدبلوماسية وحدها، فالتقارير المتتالية عن ارتفاع نسب تخصيب اليورانيوم وتراكم المخزون الإيرانى من المواد الانشطارية تعزز داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قناعة مفادها بأن "نافذة المنع" تضيق سريعًا.
ومن هذا المنطلق، تنظر تل أبيب إلى الخيار العسكرى بوصفه آخر الخطوط الحمراء، خاصة إذا فشلت الضغوط الدولية والعقوبات فى كبح الطموح النووى الإيراني.
لا يقتصر القلق الإسرائيلى على الملف النووى فحسب، بل يمتد إلى ترسانة إيران الصاروخية المتنامية، القادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، فضلًا عن شبكة الحلفاء الإقليميين الذين تعتمد عليهم طهران فى إدارة صراع غير مباشر مع إسرائيل.
ففى الوقت الذى تستعد فيه إيران لجولة أخرى من الحرب مع إسرائيل، فإنها تعتبر تطوير قدراتها الصاروخية أبرز الأولويات، باعتبارها أحد أهم أدوات الردع العسكرية التى تملكها، خاصة بعدما تسببت حرب الاثنى عشر يومًا فى يونيو الماضى فى تدمير أنظمة دفاعها الجوي. ورغم الضغوط الغربية والمساومات لتحجيم هذه القدرات، فإن هناك مؤشرات على اتجاه إيران لإعادة بناء برنامجها الصاروخي.
يمثل البرنامج الصاروخى الإيرانى أحد أهم الملفات الخلافية بين إيران والغرب، فى ظل إصرار طهران على تطوير برنامج الصواريخ الباليستية، ورغبة الغرب فى تقليص قدرات إيران الصاروخية وخفض مداها، إلا أنه حتى الآن لم ينجح الغرب فى تنفيذ هذه الرغبة، رغم الضغوط المكثفة التى يمارسها على نظام طهران، الذى سعى إلى الاستمرار فى التطوير الذى وصل إلى تجارب جديدة قادرة على حمل رؤوس متعددة والوصول إلى مدى يتجاوز ألفى كيلومتر.
البرنامج الصاروخي
وفى ظل التوترات المستمرة بين إيران والغرب ، يظل البرنامج الصاروخى حاضرًا ، حيث يبقى هذا الملف مرتبطًا بقدرة إيران على الردع وقدراتها الدفاعية، ويبقى القلق الغربى من حسابات الأمن الإقليمى والتهديدات التى قد تمثلها القدرات الصاروخية الإيرانية، وهو ما يجدد المطالب الغربية بالحد من البرنامج الصاروخى الذى تعتبره طهران غير قابل للتفاوض.
فى ظل هذه التحركات من جانب إيران ، تنظر أمريكا إلى هذه القدرات أو محاولات إعادة بنائها باعتبارها تهديدًا يجب مواجهته، حيث يصف تقرير وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية لعام 2025 إيران بأنها أحد أبرز التحديات الإقليمية المستمرة للولايات المتحدة وحلفائها فى الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن طهران واصلت خلال عام 2024 تطوير قدراتها العسكرية غير المتماثلة، وعلى رأسها
برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، كوسيلة لتعزيز الردع وموازنة التفوق العسكرى الأمريكى والإسرائيلى فى المنطقة.
ويلقى التقرير الضوء على البرنامج الصاروخى الإيرانى فيصفه بأنه أصبح الأكثر تقدمًا فى الشرق الأوسط من حيث المدى والدقة وعدد المنظومات التشغيلية، حيث طوّرت طهران أجيالًا جديدة من الصواريخ القادرة على ضرب أهداف يتجاوز مداها ألفى كيلومتر، ما يمكّنها من استهداف قواعد أمريكية وإسرائيلية وأوروبية دون الحاجة إلى قدرات جوية تقليدية.
وعن المساعى الإيرانية لتعزيز قدراتها الصاروخية، يوضح التقرير أن إيران تركز على تحسين دقة الصواريخ أكثر من زيادة مداها، عبر أنظمة توجيه متطورة وتقنيات وقود صلب تتيح إطلاقًا أسرع واستجابة فورية للتهديدات، كما تعمل على دمج الطائرات المسيّرة الانتحارية وصواريخ كروز ضمن منظومة موحّدة للردع والهجوم المتدرج، ما يجعلها قادرة على تنفيذ ضربات متزامنة بأشكال متعددة يصعب اعتراضها بالكامل.
ويرصد التقرير أيضًا الأنشطة الإيرانية المتعلقة بالتجارب الصاروخية، حيث يشير إلى أن طهران تواصل اختبار صواريخ تحت غطاء الأبحاث الفضائية، إذ تُستخدم برامج إطلاق الأقمار الصناعية لتطوير تقنيات الدفع الصاروخى بعيدة المدى. وترى الوكالة أن هذه الأنشطة تمثل "مسارًا غير مباشر" نحو بناء قدرات لإطلاق صواريخ باليستية عابرة للقارات، رغم نفى طهران ذلك رسميًا.
ويعتبر التقرير أن إيران اكتسبت خبرات مهمة فى هذا المجال من خلال تعاونها العسكرى مع روسيا بعد اندلاع الحرب الأوكرانية، حيث حذر من أن هذا التعاون منح طهران خبرات تقنية إضافية فى مجالات الملاحة الجوية والتوجيه الباليستي، كما وفر لها غطاءً سياسيًا فى مجلس الأمن يعقّد أى محاولات غربية لفرض قيود على برامجها التسليحية.
الضربة المحتملة
الحديث داخل الأوساط العسكرية يدور حول عدة سيناريوهات، أبرزها توجيه ضربة جوية محدودة تستهدف منشآت نووية حساسة ومواقع صاروخية بعينها، فى محاولة لإبطاء البرنامج الإيرانى دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
فى المقابل، يظل سيناريو الهجوم الواسع، سواء بقدرات إسرائيلية منفردة أو بغطاء أمريكى مباشر، خيارًا أكثر كلفة وتعقيدًا، وقد يؤدى إلى انفجار إقليمى يصعب احتواؤه، خاصة إذا شمل ردًا إيرانيًا مباشرًا أو هجمات متزامنة من عدة جبهات.
الحسابات الأمريكية والدولية
تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا فى حسابات إسرائيل، سواء من حيث الدعم السياسى أو الغطاء العسكري. ورغم تأكيد واشنطن التزامها بأمن إسرائيل، فإنها تبدو حذرة من الانجرار إلى مواجهة شاملة قد تهدد استقرار أسواق الطاقة وتوسع نطاق الصراع عالميًا.
كما تواجه إسرائيل ضغوطًا أوروبية ودولية تحذر من تداعيات أى عمل عسكرى أحادي، فى ظل مخاوف من انهيار ما تبقى من مسارات دبلوماسية مع طهران.
رد إيرانى متوقع
فى حال وقوع الضربة، من المرجح أن تلجأ إيران إلى استراتيجية الرد غير المتكافئ، عبر تفعيل وكلائها، وتوسيع الهجمات السيبرانية، وربما تهديد الملاحة فى الخليج ومضيق هرمز. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى استعداد طهران لخوض مواجهة مباشرة قد تهدد بقاء النظام ذاته.
بين الردع والانفجار
فى المحصلة، فإن توجيه إسرائيل لضربة قوية ل إيران يظل خيارًا قائمًا، لكنه محكوم بحسابات دقيقة تتعلق بالتوقيت، وحجم الضربة، وطبيعة الرد الإيراني، ومستوى الدعم الدولي. فالمنطقة تقف على حافة توازن هش، قد ينكسر بفعل قرار عسكرى واحد، أو يستمر بفعل الردع المتبادل والخشية من الانفجار الشامل.
ويبقى السؤال الأهم: هل تفضل إسرائيل توجيه ضربة استباقية الآن، أم الانتظار حتى تتضح مآلات الصراع، ولو كان ذلك على حساب ارتفاع مستوى المخاطر؟
ضربة إيرانية استباقية
فى المقابل، حذّر مسئولون أمنيون إسرائيليون من أن تصاعد التقارير والمواقف المعلنة بشأن احتمال اتخاذ إجراء ضد إيران قد يزيد من خطر حدوث تصعيد غير مقصود، مشيرين إلى أن الرسائل العلنية المتزايدة – التى تُنسب فى كثير من الأحيان إلى مصادر دبلوماسية رفيعة أو استخبارات غربية – تدفع إيران إلى توجيه ضربة استباقية، فى ظل اعتماد طهران حاليًا بشكل كبير على تغطية وسائل الإعلام الإسرائيلية لتقييم نوايا إسرائيل، مع تزايد القيود المفروضة على أنشطة الاستخبارات الإيرانية داخل إسرائيل.
وبحسب التقديرات الإسرائيلية الواردة فى التحليل، تركز إيران حاليًا على إعادة بناء وتطوير قدراتها العسكرية، وتعزيز جمع المعلومات الاستخباراتية، وتزويد حلفائها بالسلاح والتمويل، بما فى ذلك حزب الله فى لبنان وجماعة الحوثيين فى اليمن.
ورغم اعتقاد المسئولين الإسرائيليين أن إيران لم تتجاوز بعد الخطوط التى تستدعى عملًا عسكريًا إسرائيليًا، فإنهم يحذرون من أن طهران قد تسيء تفسير الاستعدادات الإسرائيلية على أنها تهديد وشيك، ما قد يدفعها إلى تنفيذ ضربة استباقية تؤدى إلى توسع سريع للصراع.
ولا يزال الجدل يساور الأوساط الإعلامية والبحثية والسياسية الإسرائيلية حول نتائج الحرب الأخيرة ضد إيران وحركة حماس وحزب الله، فالحكومة الإسرائيلية منقسمة على ذاتها حول تقييم نتائج الحرب الأخيرة؛ ففى الوقت الذى يدّعى نتنياهو ورفاقه فى حزب الليكود تحقيق انتصارات كبرى تضاهى انتصارات تأسيس الدولة فى عام 1948، ترى قوى اليمين فى الحكومة أنها تعجلت فى قبول اتفاق وقف إطلاق النار، وضرورة العمل على استعادة القتال مرة أخرى، وأن النصر الحاسم لن يتحقق إلا بإزالة كاملة ونهائية لحركتى حماس وحزب الله، فضلًا عن إسقاط النظام فى إيران.