شهد قطاع البترول و الثروة المعدنية في مصر خلال عام 2025 تحولات جوهرية، تجمع بين مواجهة تحديات فرضتها التغيرات الجيوسياسية العالمية ، وتنفيذ مشروعات استراتيجية طموحة من جهة أخرى، في محاولة لإعادة رسم خريطة الطاقة المصرية على أسس أكثر استدامة وتنوعاً، بدءا من آليات طرح المزايدات العالمية التي تحولت بالكامل نحو الرقمنة والإتاحة المستمرة، وصولاً إلى استراتيجيات تعظيم القيمة المضافة عبر مجمعات التكرير العملاقة التي دخلت حيز التشغيل الفعلي.
ونجح قطاع البترول خلال العام المنصرم في حل معادلة معقدة تمثلت في إدارة الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المتنامي، لكن صانع القرار المصري اتخذ قراراً استراتيجياً بتأمين احتياجات التنمية الصناعية واحتياجات المواطنين، مع العمل بالتوازي على حلول جذرية طويلة المدى لزيادة الإنتاج المحلي من الغاز والنفط.
واعتمدت وزارة البترول على استراتيجية مزدوجة من خلال تسريع وتيرة الاستكشافات الجديدة في المياه العميقة والصحراء الغربية، بالتوازي مع التوسع في استيراد الغاز المسال لتأمين احتياجات الشبكة القومية للكهرباء، وذلك في إطار رؤية واقعية تضع أمن الطاقة على رأس الأولويات، وبحسب الإحصاءات الرسمية، بلغت قيمة واردات الغاز الطبيعي المسال نحو 6.3 مليارات دولار خلال الأشهر 9 الأولى من العام، فيما وصلت واردات المنتجات البترولية الأخرى إلى حوالي 8.3 مليارات دولار.
رغم هذه الضغوط، حافظ قطاع البترول والغاز على جاذبيته كوجهة رئيسية للاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، حيث سجل القطاع صافي تدفقات استثمارية بلغت 598.3 مليون دولار خلال العام المالي الأخير، والأهم من الرقم الحالي هو الالتزامات المستقبلية الضخمة التي تم الإعلان عنها، حيث كشف وزير البترول و الثروة المعدنية المهندس كريم بدوي عن خطط استثمارية لشركات عالمية كبرى للسنوات الخمس المقبلة، تتصدرها شركة "إيني" الإيطالية باستثمارات مخططة بقيمة 8 مليارات دولار، تليها شركة "بي بي" البريطانية بـ5 مليارات دولار، وشركة "أباتشي" الأمريكية بـ3.7 مليارات دولار.
وتؤكد هذه الاستثمارات الضخمة أن الشركاء الدوليين ينظرون إلى التحديات الحالية كعقبات عابرة، وأن الجدوى الاقتصادية لقطاع البترول والغاز المصري لا تزال مرتفعة للغاية، ما يعزز الثقة في مستقبل القطاع على المدى الطويل.
في مواجهة تحدي الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، أدركت وزارة البترول أن الحل الوحيد المستدام يكمن في تكثيف عمليات البحث والاستكشاف، لذا شهد العام نشاطاً مكثفاً في عمليات الحفر البري والبحري، تكلل بسلسلة من الاكتشافات النوعية التي أعادت رسم خريطة الاحتياطيات المصرية.
ويأتي في مقدمة هذه الاكتشافات كشف "كينج مريوط" في المياه العميقة بالبحر المتوسط، الذي وصفته الحكومة والشركاء بأنه واعد جداً نظراً لجمعه بين الغاز والنفط في طبقات جيولوجية عميقة، وتشير التقديرات الأولية والدراسات السيزمية إلى أن المنطقة قد تحتوي على احتياطيات تتراوح ما بين 3 إلى 4 تريليونات قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وهو رقم يضع الكشف في مصاف الحقول الكبرى التي يمكن الاعتماد عليها لتعويض التناقص في حقول أخرى.
وإلى جانب كينج مريوط، حقق قطاع البترول كشفاً غازياً هاماً وهو بئر "شمال البسنت 1" في منطقة دلتا النيل، بمعدلات أولية بلغت 10 ملايين قدم مكعب يومياً، مع احتياطيات تقدر بنحو 25 مليار قدم مكعب، وتكمن أهمية هذا الكشف في موقعه القريب من البنية التحتية القائمة في الدلتا، مما يسمح بالربط السريع على تسهيلات الإنتاج، وبالتالي تقليل التكلفة الرأسمالية وتسريع وصول الغاز إلى الشبكة القومية.
أما في الصحراء الغربية، التي تمثل العمود الفقري لإنتاج الزيت الخام المصري، فقد استمر النشاط الاستكشافي بوتيرة مرتفعة، حيث حققت الشركة العامة للبترول بالتعاون مع شركائها نجاحاً لافتاً في منطقة أبو سنان، حيث أسفر حفر البئر "جي بي آر 1 إكس" عن كشف نفطي وغازي جديد بإنتاج يومي يبلغ 1400 برميل من الزيت الخام، بالإضافة إلى حوالي مليون قدم مكعب من الغاز المصاحب، مع احتياطيات تقدر بنحو مليوني برميل.
كما أعلنت شركة "خالدة" للبترول عن كشف جديد عبر بئر "جنوب نوت 1"، الذي أظهر شواهد غازية قوية بسمك صافي للحامل الغازي يبلغ 253 قدماً، ومن المتوقع أن يضيف هذا البئر حوالي 30 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً إلى الإنتاج، وللإسراع في هذه الإضافة، تم البدء فوراً في تنفيذ خطة لمد خط أنابيب بطول 23 كيلومتراً وبتكلفة استثمارية تقارب 10 ملايين دولار لربط البئر بمحطات المعالجة.
ووافق مجلس الوزراء على مشروع قانون لاتفاقية التزام جديدة تدمج مناطق البحث والتنمية في منطقة "بدر الدين" بالصحراء الغربية، بمشاركة الهيئة المصرية العامة للبترول وشركتي كايرون وكابريكورن. تتضمن الاتفاقية ضخ استثمارات بحد أدنى 208 ملايين دولار، وحفر 44 بئراً تنموياً واستكشافياً جديداً، بهدف الوصول لمعدلات إنتاج شهرية تبلغ 105 آلاف برميل زيت و1.2 مليار قدم مكعب غاز، ما يُتوقع أن يحقق وفراً في فاتورة الاستيراد يقدر بنحو 25 مليون دولار شهرياً.
وبالتوازي مع الاكتشافات الجديدة، شهد العام 2025 جهوداً مكثفة للحفاظ على معدلات إنتاج الحقول الكبرى القائمة، ففي حقل ظهر العملاق، بدأت شركة "إيني" في تنفيذ حملة حفر لآبار جديدة داخل الحقل بهدف تسريع إضافة كميات تعويضية من الغاز، وفي مشروع غرب دلتا النيل، عززت شركة "بي بي" إنتاجها عبر إدخال بئري "آر دبليو 5 وآر دبليو 4" للخدمة، لتضيف 140 مليون قدم مكعب يومياً إجمالاً، كما أعلنت "بي بي" عن بدء الإنتاج من المرحلة الثانية لحقل "ريفين" في المياه العميقة، وذلك قبل الجدول الزمني المحدد، ليضيف المشروع احتياطيات قابلة للاستخراج تقدر بنحو 220 مليار قدم مكعب من الغاز و7 ملايين برميل من المكثفات.
ولضمان استدامة النشاط الاستكشافي، طرحت مصر مزايدة عالمية جديدة للبحث والاستكشاف في 4 مناطق بالبحر الأحمر، مع تحديد موعد إغلاق تلقي العروض في 3 مايو من العام المقبل، وذلك عبر بوابة مصر الرقمية للاستكشاف والإنتاج، مع تقديم حوافز جديدة في النموذج المالي للعقود لجذب الشركات في هذه المنطقة البكر.
وعلى صعيد التكرير والصناعات البتروكيماوية، يمكن القول إن عام 2025 شهد جني ثمار سنوات من البناء والاستثمارات الضخمة، يأتي في مقدمة هذه الإنجازات انتهاء وتشغيل مشروع توسعات مصفاة "ميدور" بالإسكندرية، الذي يمثل أحد أهم الأحداث الاقتصادية للعام، بلغت تكلفة التوسعات نحو 2.7 مليار دولار، لترتفع طاقة التكرير الإجمالية للمصفاة من 100 ألف برميل يومياً إلى 160 ألف برميل يومياً، بزيادة قدرها 60%.
ويهدف المشروع إلى إنتاج منتجات عالية الجودة تتوافق مع المعايير الأوروبية، تشمل سنوياً 1.3 مليون طن من السولار، و600 ألف طن بنزين عالي الأوكتان، و700 ألف طن وقود نفاثات، إضافة إلى كميات من الفحم والبوتاجاز. يساهم هذا الإنتاج الضخم بشكل مباشر في تقليل استيراد السولار والبنزين، مما يوفر العملة الصعبة ويعزز أمن الإمدادات للسوق المحلي.
وفي صعيد مصر، يتواصل العمل في مشروع "أنوبك" العملاق للتكسير الهيدروجيني بأسيوط، حيث سجل المشروع تقدماً ملموساً بنسبة تنفيذ بلغت 82%، مع استهداف بدء التشغيل التجريبي في الربع الأخير من العام المقبل، ويقوم المشروع على تحويل المازوت منخفض القيمة إلى منتجات عالية القيمة، بإنتاج مستهدف يشمل 2.5 مليون طن سولار سنوياً، و400 ألف طن نافتا، و100 ألف طن بوتاجاز، وارتفعت التكلفة الاستثمارية للمشروع لتصل إلى 3.1 مليارات دولار، وقد نجحت الشركة في تأمين حزم تمويلية بقيمة 1.5 مليار دولار من مؤسسات دولية كبرى.
أما في ميناء دمياط، فقد شهد العام خطوات متقدمة في مشروع إنتاج مشتقات الميثانول، حيث بلغت نسبة الإنجاز 75%، مع خطة لبدء التشغيل في النصف الثاني من العام. يعتمد المشروع على استلام الميثانول المنتج من شركة "ميثانكس" المجاورة عبر خط أنابيب، ليتم تحويله إلى مواد ذات قيمة مضافة أعلى تدخل في صناعات الأسمدة والمواد اللاصقة والألواح الخشبية، مما يقلل الحاجة لاستيرادها ويدعم الصناعات المحلية.
وفي قطاع التعدين، رسخت مصر أقدامها كلاعب إقليمي رئيسي، ليس فقط من خلال الأرقام القياسية لإنتاج الذهب من منجم السكري ودخول مناجم جديدة مثل "إيقات" مرحلة الإنتاج التجاري، ولكن الأهم هو تدشين بنية تحتية تشريعية ولوجستية جديدة في منطقة المثلث الذهبي، تهدف إلى تحويل الثروة المعدنية من مجرد مواد خام للتصدير إلى قاعدة صناعية متكاملة.
ويمكن وصف عام 2025 بأنه عام التحول الجذري في إدارة قطاع التعدين المصري، حيث انتقلت الدولة من أساليب الإدارة التقليدية إلى آليات حديثة تواكب التنافسية العالمية، فقد أعلن وزير البترول و الثروة المعدنية عن تغيير جذري في آلية طرح فرص الاستثمار التعديني، بالتحول من نظام المزايدات الموقوتة إلى نظام الإتاحة المستمرة عبر منصة رقمية، وصرح الوزير بأنه لن يتم طرح مزايدات جديدة للتنقيب عن الذهب والمعادن الثمينة بالشكل القديم، بل سيتم عرض البيانات الجيولوجية للمناطق عبر بوابة مصر الرقمية للتعدين.
ويتيح هذا النظام الجديد للمستثمر الجاد، الذي يمتلك الملاءة الفنية والمالية، الدخول على البوابة واختيار المنطقة التي يرغب في تنميتها وتقديم عرضه مباشرة في أي وقت من العام، مما يقضي على فترات الانتظار الطويلة والبيروقراطية التي كانت تعيق تدفق الاستثمارات.
وانعكست هذه السياسات الإصلاحية والاستقرار التشغيلي بشكل مباشر على معدلات الإنتاج، حيث حقق قطاع التعدين طفرة ملحوظة في العام المالي الأخير، ارتفع إنتاج مصر من الذهب ليصل إلى 640 ألف أونصة، مسجلاً نمواً بنسبة 14% مقارنة بالعام السابق، كما قفزت إيرادات مبيعات الذهب بنسبة كبيرة بلغت 57% لتصل إلى 1.5 مليار دولار، ووضعت الوزارة هدفاً استراتيجياً للوصول بالإنتاج السنوي إلى 800 ألف أونصة في المدى القريب، اعتماداً على دخول مناجم جديدة الخدمة.
ولم يعد إنتاج الذهب في مصر مقتصرًا على منجم واحد، بل اتسعت الخريطة لتشمل مناجم جديدة ومناطق واعدة، لكن يظل منجم "السكري" القاطرة الرئيسية حيث يستحوذ على حوالي 70% من الإنتاج، فضلا عن دخول منجم إيقات، الذي تديره شركة "شلاتين"، مرحلة الإنتاج التجاري الفعلي، مما يمثل إضافة استراتيجية للاحتياطي الوطني.
كما تستعد شركة "آتون ريسورسز" الكندية لبدء الإنتاج التجاري من منجم أبو مروات في النصف الثاني من العام المقبل، ليكون ثالث منجم ذهب منتج في مصر.
وشهد العام توقيع الأحرف الأولى على اتفاقية إطارية مع شركة "باريك جولد" العالمية، ثاني أكبر منتج للذهب في العالم، مما يعد شهادة ثقة كبرى في المناخ الاستثماري المصري ونموذج الاتفاقيات الجديد. كما فازت شركات سعودية وروسية وبريطانية بمناطق في مزايدة شلاتين، مما ينوع جنسيات المستثمرين ويعزز التنافسية.
كما تحرك مشروع المثلث الذهبي، الممتد بين سفاجا والقصير وقنا، من خانة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي في العام الجاري. تم توقيع عقد حق انتفاع لإنشاء مركز لوجستي متكامل في مدينة سفاجا مع شركة بيت اللوجيستيات، باستثمارات تتجاوز 500 مليون جنيه في المرحلة الأولى. يهدف المركز لخدمة الأنشطة التعدينية وحركة التصدير والاستيراد، مما يعد حجر الزاوية لتحويل المنطقة إلى مركز صناعي وتجاري عالمي يستفيد من ثروات المنطقة المعدنية المتنوعة.
واتخذت مصر خلال 2025 خطوات عملية لتحويل مذكرات التفاهم إلى واقع ملموس، وفي سابقة تاريخية، نجحت مصر في تصدير أول شحنة أمونيا خضراء في العالم من مصنعها بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى الهند، ما يمثل الإعلان الرسمي عن دخول مصر نادي مصدري الوقود الأخضر.
وتعمل الدولة وفق استراتيجية طموحة تستهدف الاستحواذ على حصة تتراوح بين 5 و8% من السوق العالمي للهيدروجين الأخضر بحلول عام 2040، وتسعى مصر لجذب استثمارات بقيمة 15 مليار دولار خلال المرحلة التجريبية للمشروعات، ولتحقيق هذا الهدف، أقرت الحكومة حزمة حوافز غير مسبوقة لتوطين الصناعة، شملت حافزاً استثمارياً نقدياً يتراوح بين 33 و55% من قيمة الضريبة المسددة، وإعفاءات من ضريبة القيمة المضافة على المعدات والآلات، وتحمل الدولة للضريبة العقارية على منشآت المشروعات.
وبالتوازي مع المشروعات الجديدة، عمل قطاع البترول على تحسين كفاءة عملياته التقليدية، حيث نجحت إجراءات كفاءة الطاقة في خفض الانبعاثات الكربونية بمقدار 1.4 مليون طن خلال العام. كما تم خفض استهلاك الطاقة في المواقع البترولية بنسبة 8%، مع تنفيذ 117 مشروعاً لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية في الحقول لتقليل الاعتماد على الديزل.
ويمكن القول إن 2025 هو عام إعادة التموضع الاستراتيجي، حيث انتقلت مصر من الاعتماد الكلي على عدد من الحقول الكبرى، إلى تنويع مصادر الإنتاج وتوسيع قاعدة الاستثمار، مع وضع قدم راسخة في مستقبل الطاقة النظيفة، ومع دخول المشروعات التي تم تدشينها هذا العام مراحل التشغيل الكامل خلال الأعوام المقبلة، يتوقع أن يجني الاقتصاد المصري ثمار هذا العام التأسيسي في صورة استقرار طاقي ونمو صناعي مستدام يدعم التنمية الاقتصادية الشاملة.