مصر .. و(السعودية - الإمارات)..توازنات الذهب .. والسؤال الملِح

مصر .. و(السعودية - الإمارات)..توازنات الذهب .. والسؤال الملِحسعيد صلاح

الرأى11-1-2026 | 22:05

هل تنحاز مصر للسعودية أم للإمارات؟ بعد الأزمة الأخيرة التي حدثت فى المكلا اليمنية وما سبقها وتلاها من «توتر صامت» بين الدولتين الشقيقتين.. هذا السؤال تردد مؤخرًا بشكل كبير، وإن كنت أراه مع تقديرى الشديد لكل من يسأله، سؤالا ليس فى محلة على الإطلاق.

ما حدث فى المكلا مؤخرًا سلط الضوء على تباين الأجندات بين السعودية والإمارات، المملكة تسعى لتأمين عمقها الاستراتيجى ومنع تحول الجنوب لمركز نفوذ منافس، بينما تمتلك الإمارات رؤية تعتمد على تمكين القوى المحلية التى تضمن لها السيطرة على الموانئ والممرات المائية.

و مصر تؤمن وتتمسك بمبدأ ثابت لا يحيد، وهو أن «وحدة الدولة الوطنية هى الضمانة الوحيدة للأمن الإقليمى»، هذا المبدأ هو العدسة التى ترى من خلالها القاهرة كل ما يحدث فى اليمن، وتقف بموقف «المثبت» للدولة اليمنية الواحدة.

القاهرة تدرك، وعلينا جميعا نحن العرب أن ندرك ذلك، أن أى محاولة لشرعنة الانفصال فى الجنوب اليمنى، أو تحويل اليمن إلى دويلات متناحرة، لن يخدم سوى الميليشيات المسلحة والقوى الإقليمية والدولية المتربصة، لذا، فإن الرسالة المصرية كانت ولا تزال وستظل واضحة: «نحن ندعم شرعية الدولة، وهدفنا النهائى هو «يمن موحد» يمتلك قراره السيادى، لأن انفصال الجنوب يعنى ببساطة ديمومة الفوضى على أبواب باب المندب.

لذلك فإن الإجابة عن السؤال الصعب: أين تقف مصر؟، تتلخص، حسب رؤية متواضعة من كاتب هذه السطور، فى أن السياسة المصرية المعلنة والضمنية ترفض الانجرار خلف صراع «تكسير العظام» خاصة بين الأشقاء، و مصر ترى أن استنزاف القوى بين الرياض وأبو ظبى هو هدر للمقدرات العربية لصالح إسرائيل وإيران وقوى إقليمية أخرى، وإن كانت الكفة المصرية تميل «مبدئيًا» نحو الرؤية الداعية لوحدة الأراضى، ليس نكاية فى أحد، بل لأن التقسيم فى اليمن يمثل سابقة خطيرة قد تمتد للسودان وليبيا، وهو ما ترفضه القاهرة جملة وتفصيلاً، ويبقى المؤكد أن مصر لا تنحاز لدولة ضد أخرى، بل تنحاز لـ «مصلحة الأمن القومى المصرى»، فعندما يتعلق الأمر بوحدة الأراضى والسيادة، تجد مصر نفسها فى خندق واحد مع السعودية، وعندما يتعلق الأمر بالاستقرار الاقتصادى والاستثمارى، تحرص مصر على شعرة معاوية مع الإمارات.

لكن، يجب أن نكون صريحين، ففى اللحظة التى تتعارض فيها مصالح دولة ما مع ثوابت الأمن القومى المصرى (كما فى حالتى السودان وتقسيم اليمن)، فإن القاهرة تختار أمنها القومى دون تردد، إن مصر اليوم ليست مصر «رد الفعل»، بل هى دولة «الفعل» التى تبنى تحالفاتها وفقًا لمعادلة: «احترم سيادتى ومصالحى، تجدنى خير حليف.. اقترب من خطوطى الحمراء، تجدنى أشرس خصم».

والقراءة المتأنية لما يحدث توصلنا حتمًا إلى أنه لا يمكن فصل ما يحدث فى اليمن عما يحدث فى منابع النيل، إنها كما أشرت فى المقال السابق، استراتيجية «الكماشة» التى تحاول بعض القوى الإقليمية فرضها على مصر.

فى البحر الأحمر.. استمرار تهديدات الحوثيين فى باب المندب لم يعد مجرد مناوشات عسكرية، بل أصبح حربًا اقتصادية مباشرة تستهدف دخل قناة السويس، هنا تجد مصر نفسها مضطرة للتنسيق الاستخباراتى والعسكرى المكثف مع السعودية لضمان تأمين المجرى الملاحى، بعيدًا عن المغامرات غير المحسوبة، وفى منابع النيل.. تدرك مصر أن بعض الدول الإقليمية التى تذكى الصراع فى اليمن، هى نفسها التى تحاول بناء تحالفات فى منطقة القرن الإفريقى
(إثيوبيا والصومال) لتطويق المصالح المصرية، لذا، فإن التحرك المصرى الأخير نحو الصومال وتوقيع اتفاقيات دفاعية هو رد صريح بأن مصر لن تسمح بتهديد أمنها المائى أو البحرى من أى اتجاه.

ولقد أثبتت السنوات الأخيرة أن مصر تمتلك مرونة فائقة فى إعادة تموضعها، فالتقارب المصرى التركى، الذى وصل لذروته فى عام 2025، لم يكن مجرد مصالحة، بل كان تحالفًا استراتيجيًا أربك حسابات الكثيرين، مصر تستخدم «الورقة التركية» لتحقيق توازن فى ليبيا وشرق المتوسط، وفى نفس الوقت، تنسق مع السعودية لتشكيل جبهة قوية تستطيع مواجهة التمدد الإيرانى من جهة، والطموحات الإسرائيلية المتزايدة من جهة أخرى، هذا المثلث (القاهرة - الرياض - أنقرة) يمثل اليوم القوة الضاربة التى يمكنها لجم أى محاولة للإضرار بالأمن القومى العربى، وهو تحالف يبعث برسالة قوية لأى طرف إقليمى يحاول العبث بمقدرات السودان أو اليمن.

فى الملف السودانى، تظهر «العين الحمراء» المصرية بوضوح، ترفض مصر بشكل قاطع وجود ميليشيات «الدعم السريع» كطرف سياسى أو عسكرى فى مستقبل السودان، خاصة بعد التجاوزات التى حدثت بحق الجنود المصريين فى قاعدة مروى، ولقد أوضحت مصر للجميع أن أمن السودان هو أمن داخلى مصرى، وأن دعم الميليشيات هو عبث بالاستقرار الإقليمى، والتحركات الأخيرة تعكس إدراك الجميع أيضا بأن مصر «لن تتهاون» فى هذا الملف، وأنها قادرة على قلب الطاولة عسكريًا وسياسيًا إذا ما استمر تهديد وحدة السودان.

وإجمالاً لما سبق أرى أن الأحداث الجارية، تعيدنا إلى رؤية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي فى عام 2015 عندما دعا لتشكيل «قوة عربية مشتركة»، فلو استجاب العرب وقتها لهذه الدعوة، لما كانت اليمن اليوم مسرحًا لتصفية الحسابات، ولما تجرأت ميليشيا على تهديد ملاحة قناة السويس، اليوم، تقود مصر المنطقة بحكمة، مستندة إلى جيش وطنى قوى ودبلوماسية «الصبر الاستراتيجى»، مدركة أن حماية باب المندب تبدأ من الحفاظ على سيادة اليمن، وأن حماية مياه النيل تبدأ من وحدة السودان، وخلاصة القول إن السياسة المصرية فى عام 2026 هى سياسة «العملاق المستيقظ» الذى يمد يد السلام للجميع، لكنه يبقى يده الأخرى على الزناد، لحماية وطن لا يقبل القسمة، وأمة لا تقبل الانكسار.
حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان