تحل اليوم، الثاني عشر من يناير، ذكرى رحيل الفنانة القديرة كريمة مختار، إحدى العلامات الفارقة في تاريخ الفن المصري، والتي ارتبط اسمها في الوجدان الجمعي بدور الأم، ليس بوصفه قالبًا مكررًا، بل كمساحة إنسانية عميقة أعادت من خلالها تعريف معنى الأمومة على الشاشة.
لم تكن كريمة مختار مجرد ممثلة تؤدي أدوارًا، بل كانت حالة إنسانية خاصة، اختارت بعناية شديدة مسيرتها الفنية، وقدمت شخصيات صادقة تشبه البيوت المصرية، فدخلت كل بيت بلا استئذان، واستقرت في القلوب دون ضجيج.
من عطيات البدري إلى نجمة القلوب
وُلدت الفنانة باسم عطيات محمد البدري، وتنتمي إلى أصول صعيدية، وهو ما انعكس بوضوح على ملامح شخصيتها الفنية، حيث اتسم أداؤها بالصدق والقوة والهدوء في آنٍ واحد.
بعد إنهائها الدراسة الثانوية، التحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية، لتبدأ رحلة شغف طويلة مع التمثيل.
كانت بدايتها الفنية من خلال برنامج بابا شارو الشهير للأطفال، حيث تعرف عليها الجمهور بصوتها الدافئ قبل أن يراها.
غير أن ظروفًا عائلية حالت دون مشاركتها في السينما لسنوات، فاكتفت بالعمل الإذاعي، لتثبت أن الصوت وحده قادر على نقل الإحساس وبناء علاقة مع المستمع.
نور الدمرداش.. شريك الحياة وطوق النجاة الفني
شكّل لقاؤها بالمخرج الكبير نور الدمرداش أثناء تسجيل أحد المسلسلات الإذاعية نقطة تحول مفصلية في حياتها، سواء على المستوى الشخصي أو الفني.
ورغم ترددها في البداية تجاه فكرة الزواج، فإن تعرّفها إلى والدته وارتياحها لها كانا العامل الحاسم في اتخاذ القرار.
كان زواجها من نور الدمرداش بمثابة بوابة عبور إلى السينما، حيث أتاح لها فرصة العمل دون عوائق، لتبدأ مشوارها السينمائي بفيلم ثمن الحرية، وتنطلق بعدها في رحلة فنية حافلة بالأعمال المؤثرة.
الأم.. الدور الذي تحوّل إلى هوية
برعت كريمة مختار في تجسيد شخصية الأم، لكنها لم تقع أبدًا في فخ التكرار. كل أم قدمتها كانت مختلفة في التفاصيل، في اللهجة، في النظرة، وفي طبيعة العلاقة مع الأبناء.
ويظل دورها الشهير "ماما نونا" في مسلسل يتربى في عزو أحد أبرز محطات مسيرتها، حيث تحولت الشخصية إلى أيقونة شعبية، وعكس المسلسل صورة الأسرة المصرية بتناقضاتها، ونجح في الوصول إلى جمهور واسع داخل مصر وخارجها، بفضل بساطة الفكرة وصدق الأداء.
كما حققت حضورًا مسرحيًا لا يُنسى من خلال شخصية زينب هانم جاد الله في مسرحية العيال كبرت، حيث جسدت الأم الحكيمة التي تحاول الحفاظ على تماسك أسرتها وسط الفوضى، لتصبح الشخصية واحدة من أشهر أمهات المسرح المصري.
وفي السينما، يبقى دورها في فيلم الحفيد علامة بارزة، حيث قدمت نموذج الأم المصرية الكادحة، التي تعيش من أجل أسرتها دون شكوى أو ادعاء بطولة.
رحلت كريمة مختار، لكنها تركت وراءها إرثًا فنيًا غنيًا بالصور الإنسانية الصادقة، وأدوارًا لا تزال حاضرة في ذاكرة المشاهدين، وكأنها تُعرض للمرة الأولى في كل مرة.
كانت مثالًا للفنانة التي تؤمن بأن الاختيار الجيد هو أساس الخلود، وبأن الصدق في الأداء هو الطريق الأقصر إلى القلب.
لذلك، لم تكن أمًا على الشاشة فقط، بل أصبحت أمًا لكل مشاهد، ووجهًا لا يغيب عن الذاكرة مهما تعاقبت الأجيال.
في ذكرى رحيلها، تبقى كريمة مختار حاضرة بصوتها وملامحها وأدوارها، شاهدة على زمن جميل، وفنٍ عرف كيف يحترم جمهوره، ويمنحه الدفء قبل التسلية.