أكد محمد مشاضي ، عضو وحدة الدراسات الأفريقية بالمنتدى العالمي للدراسات المستقبلية، أن القارة الأفريقية تعيش اليوم لحظة فارقة في تاريخها الحديث، تتحول خلالها من مجرد ساحة للتنافس الدولي إلى مركز ثقل إستراتيجي يعيد تشكيل ملامح النظام العالمي الجديد.
وأوضح مشاضي أن الدولة المصرية تقف حالياً أمام نافذة زمنية تاريخية تمكّنها من ترسيخ ريادتها القارية كقوة إقليمية فاعلة ومحرك رئيسي للتنمية المستدامة في أفريقيا، مشيراً إلى أن عام 2026 يمثل نقطة الانطلاق الحقيقية لنفاذ رؤية «مصر 2050» إلى عمق القارة السمراء.
وقال عضو وحدة الدراسات الأفريقية إن الريادة المصرية المنشودة لا تقوم على الشعارات، وإنما على تقديم حلول وجودية لتحديات القارة، تمس حياة المواطن الأفريقي اليومية وتعتمد على مقاربات واقعية مدعومة بالأرقام والمعطيات العلمية.
وأشار مشاضي إلى أن التوقعات السكانية تشير إلى وصول عدد سكان أفريقيا إلى نحو 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، وهو ما يجعل قضية الأمن الغذائي مسألة مصيرية للاستقرار السياسي والاجتماعي في القارة.
وأكد أن مصر تمتلك فرصة تاريخية لقيادة ملف السيادة الزراعية في أفريقيا من خلال تطوير قطاع الزراعة والصناعات الزراعية، وتصدير الأسمدة واليوريا ليس فقط كمنتج تجاري، بل كأداة نفوذ ناعمة تضمن للقارة الاكتفاء الذاتي بعيداً عن تقلبات الأسواق العالمية.
وأضاف أن سد الفجوة السمادية في أفريقيا يتطلب زيادة الإمدادات بنسبة تصل إلى 300 في المائة، وهي فرصة استراتيجية للصناعة المصرية للاستحواذ على حصة مؤثرة في أسواق دول حوض النيل وغرب أفريقيا.
مصر مركز إقليمي للطاقة في أفريقيا
وفي ملف الطاقة، أوضح مشاضي أن مصر تقدم نفسها كمركز إقليمي يربط شمال القارة بجنوبها، في ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والمتجددة.
وأكد أن امتلاك مصر لمحطات الطاقة النووية ومشروعات الربط الكهربائي يجعلها مؤهلة لأن تصبح المزود الرئيسي للطاقة لنحو 600 مليون أفريقي يعانون حالياً من نقص الكهرباء، الأمر الذي يربط النمو الصناعي في القارة بالاستقرار المصري في علاقة عضوية متبادلة.
السيادة الرقمية والريادة الفضائية
وتطرق مشاضي إلى أهمية الريادة التقنية والفضائية، لافتاً إلى أن وجود وكالة الفضاء الأفريقية في القاهرة يمثل نقلة نوعية نحو تحقيق السيادة الرقمية للقارة.
وأوضح أن إدارة بيانات الاستشعار عن بعد ستسهم في رفع كفاءة الإنتاج الزراعي الأفريقي بنسبة تصل إلى 45 في المائة، فضلاً عن حماية الموارد الطبيعية من الاستنزاف عبر أنظمة المراقبة اللحظية.
شراكة قائمة على الإنسان الأفريقي
وأكد عضو وحدة الدراسات الأفريقية أن ما يميز الرؤية المصرية هو إدراكها العميق لسيكولوجية الشعوب الأفريقية، حيث تقوم السياسة المصرية على مبدأ الشراكة الندية وليس الهيمنة.
وأشار إلى أن مصر تستثمر في الإنسان الأفريقي من خلال التعليم والبحث العلمي، إيماناً بأن القبول الشعبي هو الضمانة الحقيقية لاستدامة أي مشروع تنموي.
وأضاف أن التحول من عقلية المساعدات إلى نموذج الاستثمارات السيادية سيؤدي إلى تكوين لوبي مصري قوي في العواصم الأفريقية، موضحاً أن الدراسات تشير إلى أن الاعتماد على الخبرات الفنية المصرية يوفر للقارة نحو 20 في المائة من تكاليف المشروعات البنيوية مقارنة بالشركاء الأجانب.
وفيما يتعلق بالتحديات المائية والصراعات العرقية، شدد مشاضي على أن الفرصة الحقيقية تكمن في قدرة الدبلوماسية المصرية على أداء دور الوسيط النزيه، انطلاقاً من عقيدة الدولة التي تقوم على أن أمن أفريقيا جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.
وأكد أن هذا الدور يمنح مصر شرعية قيادة كتلة أفريقية موحدة داخل النظام الدولي، بما يسهم في انتزاع حقوق القارة في تمثيل دائم بمجلس الأمن.
واختتم مشاضي تصريحاته بالتأكيد على أن رحلة مصر نحو عام 2050 قد بدأت بالفعل، وهي رحلة يقودها العلم وتحميها القوة الرادعة ويغذيها الإخلاص لقضايا القارة.
وأضاف أن أفريقيا المستقلة ستكون قارة التكنولوجيا والابتكار، وأن من لا يحجز موقعه في قيادتها اليوم سيجد نفسه خارج سياق التاريخ غداً، مشدداً على أن القاهرة ستظل القلب النابض لأفريقيا والمنارة التي تهتدي بها القارة نحو الرخاء، ليبقى النيل شريان الحياة الذي يضخ الريادة في جسد القارة السمراء.