في مثل هذا اليوم من يناير، تعود إلى الذاكرة واحدة من أيقونات الكوميديا في تاريخ الفن العربي، الفنانة الراحلة ماري منيب، التي لم تكن مجرد ممثلة أدت أدوار "الحماة" بملامح حادة وصوت ساخر، بل كانت حكاية إنسانية طويلة، مليئة بالكفاح، والتحولات، والانكسارات، والنجاحات التي صنعت منها أسطورة فنية لا تتكرر.

من دمشق إلى القاهرة.. رحلة مبكرة مع الغربة
وُلدت ماري منيب عام 1905، لأسرة سورية الأصل، واسمها الحقيقي ماري نصر الله منيب.
لم تعش طفولة مستقرة؛ فمع تقلبات الحياة، انتقلت مع أسرتها إلى مصر، واستقرت في حي شبرا، أحد الأحياء التي كانت تمثل في ذلك الزمن نموذجًا فريدًا للتعايش الثقافي والاجتماعي.
في شبرا، تشكل وعيها الأول، وتعلمت اللهجة المصرية سريعًا، وبدأت ملامح شخصيتها القوية في الظهور، وسط ظروف مادية صعبة، وأسرة تكافح من أجل البقاء.

البدايات الصعبة.. من الملاهي إلى خشبة المسرح
لم تبدأ ماري منيب مشوارها الفني من بوابة النجومية، بل شقّت طريقها بصعوبة.
عملت في بداياتها راقصة في الملاهي، قبل أن يلفت حضورها القوي وانضباطها انتباه العاملين في المسرح.
كانت في الرابعة عشرة من عمرها عندما وقفت لأول مرة على خشبة المسرح من خلال مسرحية "القضية نمرة 14"، لتبدأ بعدها رحلة طويلة مع المسرح، الذي ظل عشقها الأول والأصدق.

المسرح.. المدرسة الحقيقية لماري منيب
عملت ماري منيب مع كبار صُنّاع الكوميديا في مصر، فانضمت إلى فرق مسرحية مهمة، من بينها: فوزي الجزايرلي، بشارة واكيم، علي الكسار، نجيب الريحاني.
وكانت فرقة نجيب الريحاني علامة فارقة في حياتها؛ إذ لم تكتفي بالتمثيل فقط، بل تولت بعد وفاته مسؤولية إدارة الفرقة، بالاشتراك مع بديع خيري وعادل خيري، في زمن لم يكن من السهل أن تتصدر فيه امرأة هذا الدور القيادي.

"الحماة" التي أحبها الجمهور
مع تقدمها في العمر، ارتبط اسم ماري منيب بدور "الحماة"، لكنها لم تقدمه بصورة نمطية جامدة، بل صنعت منه شخصية مركبة: شريرة.. نعم، متسلطة.. أحيانًا، لكنها في الوقت نفسه مضحكة، ذكية، وقريبة من الناس.
ومن أشهر أفلامها في هذا الإطار: حماتي ملاك، الحموات الفاتنات، حماتي قنبلة ذرية.
وقد استطاعت بخفة دمها الفطرية أن تجعل الجمهور يضحك من الشخصية التي يفترض أن يكرهها.

السينما.. ما يقرب من 200 فيلم
دخلت ماري منيب عالم السينما في منتصف الثلاثينيات، وشاركت في ما يقرب من 200 فيلم، وهو رقم يعكس حجم حضورها وتأثيرها، ومن أبرز أعمالها: لعبة الست، أم رتيبة، لصوص لكن ظرفاء، شباك حبيبي، الناس اللي تحت، النفخة الكدابة.
وكانت تمتلك قدرة نادرة على خطف الانتباه حتى في المشاهد القصيرة.
زيجات في حياة امرأة قوية
تزوجت ماري منيب للمرة الأولى من الفنان فوزي منيب، في واقعة طريفة جرت داخل عربة قطار متجهة إلى الشام، واحتفظت باسمه الفني حتى بعد الانفصال، وأنجبت منه ولدين.
أما زواجها الثاني فكان من المحامي عبدالسلام فهمي، زوج شقيقتها الراحلة، حيث اختارت أن تتحمل مسؤولية تربية أبنائها، في موقف إنساني يعكس معدنها الحقيقي.
قصة إسلام ماري منيب.. رحلة روح لا ضجيج فيها
بعد زواجها الثاني، تأثرت ماري بالأجواء الروحانية داخل بيت زوجها، حيث كانت تلاوة القرآن حاضرة بشكل يومي، حفظت بعض الآيات، وتعلقت بالمعاني، لا بالمظاهر.
وفي عام 1937، أشهرت إسلامها رسميًا داخل محكمة مصر الابتدائية، ونطقت الشهادتين، واختارت لنفسها اسم أمينة عبدالسلام، دون أن تتاجر بالقصة أو تحولها إلى وسيلة للظهور.
النهاية.. ضحكت حتى اللحظة الأخيرة
في يناير 1969، وبعد ليلة عرض مسرحي، عادت ماري منيب إلى منزلها في شبرا، وجلست مع أولادها تستعيد الذكريات، وتضحك كعادتها، قبل أن تفاجئها أزمة قلبية حادة، ترحل على إثرها عن عمر ناهز 64 عامًا.
رحلت ماري منيب، لكن ضحكتها بقيت، وشخصيتها ظلت محفورة في وجدان أجيال، لتثبت أن الكوميديا الحقيقية تولد من قلب الألم، وأن بعض الفنانين لا يموتون… بل يتحولون إلى ذاكرة.