على الرغم من أن المملكة المتحدة لن تكون أبدًا الدولة المفضّلة لدى الصين، بفضل التاريخ القديم بينهما في عصر الإمبراطورية، فإن المجاملات الدبلوماسية لا تزال مهمة، ولذلك تُعتبر زيارة كير ستارمر، أول زيارة ل رئيس وزراء بريطاني منذ عام 2018، انتصارًا في بكين، كما أشارت صحيفة "ذا تايمز".
وبينما استُقبل ستارمر باستعراض حرس الشرف فور نزوله من الطائرة، إلا أن الصين لا تروق لها الانتقادات التي وجهها إليها سياسيون بريطانيون في السنوات الأخيرة بشأن قضايا مثل حقوق الإنسان والتجسس، ما يعنى أن بريطانيا على الرغم من أنها لم تعد قوة عظمى، فإن صوتها لا يزال مسموعًا، لا سيما بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
وتلفت الصحيفة إلى أن ما يجعل زيارة ستارمر أكثر أهمية بالنسبة للصين هو توقيتها، وإن كان ذلك محض مصادفة "لم يكن أحد ليتوقع، عندما طُرحت فكرة الزيارة لأول مرة قبل عامين، أنها ستأتي في أعقاب قرار الرئيس ترامب بإثارة غضب جميع أقرب حلفاء أمريكا دفعة واحدة".
تضيف: "ترى بكين فرصة لتحقيق مكاسب استراتيجية، أو على الأقل زرع البلبلة في العالم الغربي، الذي كان حتى وقت قريب موحدًا في محاولة احتواء الصين".
تنقل "ذا تايمز" عن وانج وين، رئيس وحدة أبحاث في جامعة الشعب ببكين أن زيارة ستارمر للصين وتصريحه بأنه "لا داعي للانحياز لأي طرف بين الصين والولايات المتحدة" يشيران إلى وجود شرخ، بل وربما فشل، في الاستراتيجية الغربية الجماعية لحصار الصين واحتوائها.
يضيف: "كما أنهما يعلنان، بشكل عملي، نهاية سردية استراتيجية الاحتواء الغربية ضد الصين".
مع هذا، قد يتبين في نهاية المطاف أن ذلك مجرد أمل صيني وليس واقعًا. قبل أسبوعين، أثار رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، ردًا غاضبًا من ترامب عندما وصف الصين بأنها شريك أكثر موثوقية من أمريكا. لكن ستارمر لا يُبدي أي مؤشر على رغبته في إضعاف العلاقات عبر الأطلسي بالطريقة نفسها.
ومع ذلك، فإن الصين حريصة على الاستفادة من الانقسامات التي لا شك فيها في المواقف السياسية والشعبية تجاه أمريكا، التي سببتها تصريحات ترامب الأخيرة حول جرينلاند وحلف شمال الأطلسي والسجل العسكري لحلفاء الولايات المتحدة في أفغانستان.
ورغم أن شعار بريطانيا هو رغبتها في "التعاون والمنافسة والتحدي" فيما يتعلق بالصين، وتأييد بكين هذا التعاون، لكن كما هو الحال مع أي دولة، فإن ذلك يعتمد على مصالحها الخاصة. لذلك، من غير المرجّح أن تقدم تنازلات بشأن حقوق الإنسان أو تمارس ضغوطًا على موسكو لوقف الحرب في أوكرانيا.
أما بالنسبة للمنافسة أو التحدي، فلا يبدو أن هناك قدرًا كبيرًا من أي منهما من جانب بريطانيا في الوقت الحالي، حيث إن الصناعات التكنولوجية الصينية، والتواصل الدبلوماسي العالمي، والقوة العسكرية تدفعها إلى الأمام.
تلفت "ذا تايمز" إلى أن رغبة ستارمر الأبرز في هذه الزيارة هي تعزيز التجارة، ولا سيما أي شيء من شأنه أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي البريطاني. لكن عملياً، يميل التبادل التجاري لصالح الصين بشكل غير متكافئ.
ومن غير المرجّح أن يتغير هذا الوضع ما لم تقرر بريطانيا فعلًا اتخاذ موقف ضد طواحين الهواء والسيارات الكهربائية وغيرها من المنتجات التقنية الصينية لأسباب أمنية. كما لم تتغير الصادرات البريطانية إلى الصين، والتي تمثل أقل من ثلث وارداتها، بشكل ملحوظ في العقد الماضي.
أيضًا، لم تتحقق المكاسب التي كانت تتطلع إليها لندن فيما يتعلق بفتح سوق الخدمات المالية الصينية، على الرغم من وجود بعض الغرائب الهامشية، مثل حيازات المملكة المتحدة من احتياطيات الذهب الصينية، التي تظهر في بعض الأرقام التجارية على الرغم من أنها لم تخرج قط من خزائن بنك إنجلترا.
وفيما يتعلق بالسلع المادية، أنفقت الصين أكثر من 20 مليار جنيه إسترليني على شراء المنتجات البريطانية في كل عام من الأعوام السبعة الماضية، بزيادة طفيفة بلغت 6.4% في عامي 2024-2025، وانخفاض طفيف بلغ 1.2% في العام الذي سبقه، وذلك وفقًا لمجلس الأعمال الصيني البريطاني.
في المقابل، أنفقت بريطانيا أكثر من 60 مليار جنيه إسترليني على السلع الصينية المستوردة.