الهند و أوروبا الحلفاء الاستراتيجيون للولايات المتحدة الأمريكية بصدد أزمة ثقة مع حليفهم الأمريكي الذي بات يستخدم الاقتصاد كورقة ضغط لفرض سياسات خارجية ينقاد وراءها الموقف الأوروبي أو الهندي مدفوعا بالمصالح الاقتصادية.
أوروبا التي تعاكس الرؤية الأمريكية بشأن شرق أوروبا و جرينلاند علي سبيل المثال هي تحت قبضة السوق الأمريكية الذي يمثل النافذة الأساسية لتجارتها، ومن ثم هي ما بين الرضوخ للرسوم الجمركية أو التنازل عن دعم أوكرانيا والدنمارك، والأخطر من هذا وذاك هو التفريط في مستقبل حلف الناتو، بينما الهند التي تراقب التقارب الأمريكي الباكستاني حاولت عبر زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلي واشنطن في فبراير العام الماضي الحفاظ علي جودة العلاقات التجارية بين البلدين، بينما في يوليو من نفس العام رفع ترامب الرسوم الجمركية علي السلع الهندية بنسبة 27% ثم زيادة إضافية بنسبة 25% ما جعل العلاقات التجارية بين البلدين بصدد أزمة كبري تحتاج إلي خضوع وتنازلات هندية في سياستها الخارجية أو البحث عن بدائل كما هو الحال الأوروبي.
أوروبا و الهند ضحايا الرسوم الجمركية جمعتهما المصلحة الاقتصادية لتنسيق شراكة اقتصادية بينهم غير مسبوقة، فرغم تعثر تلك المفاوضات علي مدار العامين الماضيين إلا أن الرئيس الفرنسي ماكرون، والذي قام بزيارة إلي نيودلهي بداية العام الماضي، كان يحاول، مسابقا الوقت،إحداث التقارب الهندي الأوروبي استعدادا للحظة الراهنة، ومن بعدها بدأ العمل الهندي الأوروبي يشهد دفعة جديدة عززتها مؤخرا زيارة المستشار الألماني إلي الهند وتوقيع 27 اتفاق تعاون مشترك بين البلدين، وصولا للحظة الفاصلة التي وقع خلالها رئيس الوزراء الهندي وكل من رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي ومفوضية الاتحاد اتفاقية تجارة حرة بين أوروبا و الهند سميت "أم الصفقات" حيث تعد بالفعل صفقة عملاقة تشكل أضخم اتفاق، حيث يمثل سوقه التجاري المشترك نحو ملياري نسمة، بحجم ومعدلات اقتصادية وتجارية قياسية.
لا يمكن فصل إعادة تشكيل النظام السياسي الدولي وتموضعات موازين القوي الدولية عن إعادة تشكيل خريطة التحالفات الاقتصادية، ولهذا يسعي ترامب لإيجاد هيمنة اقتصادية أمريكية عالمية بما يضمن استقرار الوضعية الأمريكية رأس النظام الدولي، ولكن هل ينفرط العقد ويهرب الجميع من العباءة الأمريكية وتتشكل تحالفات اقتصادية تعيد صياغة النظام الدولي؟! هذا ما سينكشف مع الأعوام القادمة، ولكن التحرك الأوروبي الهندي والذي تبعه أيضا تقارب بريطاني صيني عبر زيارة تاريخية لرئيس الوزراء كير ستارمر إلي بكين.
جميع المؤشرات تشير إلي أن هناك تغيير ما يحدث.