ساحة آل الطيب .. رحلة إلى رحاب الكرامات

ساحة آل الطيب .. رحلة إلى رحاب الكراماتساحة آل الطيب

الطريق إلى « ساحة آل الطيب » بالأقصر، فيض من حكايات تثير الدهشة، وتطلق الخيال في تاريخ من أسرار الكرامات، وأصداء من أزمنة فائتة، وسيرة شيوخ ومريدين، وفضاء يتسع لمئات الآلاف من مسلمين ومسيحيين وصنوف من البشر، تختلف مقاصدهم بين البحث عن ملاذ روحي أو حل لمشكلة استعصت على الحل القضائي، وربما بنية أخذ البركة من أبناء « الشيخ الطيب الجد » ومنهم فضيلة الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وهناك ستجد نظامًا اجتماعيًا مترابطًا، وبرزخًا للنجاة من التعصب والطائفية، والدخول إلى عالم قوامه المحبة والسلام.

تبعد « ساحة آل الطيب » عن القاهرة بحوالي 700 كيلو متر، وقطعها القطار إلى الأقصر في نحو 12 ساعة، وخلال الرحلة تبادر لدينا فى هذا الوقت الطويل أسئلة كثيرة.. ما السر الحقيقى الكامن فى ساحة الطيب؟!.. وهل هى ملاذ للمشردين ومقصد للزهاد أم طريق لشخص يبحث عن حقه ولا سبيل لحل مشكلته سوى هذا المكان دون ساحات صوفية كثيرة ومنتشرة في أرجاء مصر؟!

وضعنا حقائبنا فى فندق بوسط المدينة صبيحة يوم الجمعة، وأردنا الوصول بأسرع وقت ل قرية القرنة التى تقع فيها ساحة الطيب، والأمر اللافت أن أهل الأقصر يتمتعون بالطيبة والسماحة وحُسن الضيافة، وتكسو البشاشة ملامح بشرتهم السمراء، ولا أعرف هل هذه جينات وراثية أم سلوك مكتسب، لاسيما أن مصدر رزقهم يرتبط بالسياحة، عموما لم أشغل بالى كثيرا بهذا الأمر فهذا سلوك معهود من أي مصرى أصيل.

سألنا أحد المارة عن كيفية الوصول إلى القرنة أو ساحة الشيخ الطيب المعروفة للجميع، فدلنا على وسيلتين أولهما ركوب تاكسى أجرة، ويتقاضى 150 جنيها، والثانية أن نركب «معدية» فى النيل للبر الغربى، وثمن تذكرة 5 جنيهات، وقررنا بدون تردد اختيار الوسيلة الثانية.

وقفنا أمام «المعدية» على النيل من البر الشرقى، وتطالعنا إلى معبد الكرنك، وجاء إلينا رجل يرتدي جلباباً، وعرض نقلنا للبر الغربى عبر «لنش» سريع، ويتيح لنا نزهة نيلية ممتعة، وأدركنا أنه سيتعامل بالتسعيرة السياحية، وسألته: «هتاخد كام يا ريس؟» فقال: 25 جنيها وأبدينا دهشتنا من هذا السعر الزهيد.

انطلق بنا «اللنش» ليبدد سكون النهر الخالد، وقطع تأملنا صوت المراكبي قائلاً: «مرينا بأيام عِفشة لما السياحة خربت يا باشا بسبب الإرهاب زمان، بس الحمد لله رجعنا أحسن من الأول، أيامها توقف نشاط كل شيء ولم يأتِ سايح واحد وتوقف تشغيل اللنشات النهرية، فقلت: بدل ما أركنها وأموت من قلة الشغل، أهو أرجع آخر النهار للعيال برغيفين عيش بدون غموس وربنا ساترنا وقتها».

عبرنا البر الغربى للنيل فى ثمانى دقائق، وسألنا أحد المتواجدين على هذا الشط عن ساحة الطيب، فبادرنا بلهجة صعيدية: «أنا يا بيه أوديك» وهذا الشاب يملك دراجة بخارية لتوصيل أهل البلدة، ويطلق عليها «التوك توك» وسألناه: هل المسافة بعيدة؟!.. فقال: «لا 10 دقائق حوالى 6 كيلو».

فى الطريق، تراصت البيوت القديمة من طابق واحد، والمبنية بالطوب اللبن، وتواجه المعابد الفرعونية، وانتبهت لصوت السائق: «أنت رايح روضة الأحبة أم آل سيدى الطيب أهل الكرم والجود، وتوقف للحظات، ثم قال: «تعرف يا أستاذ أنا لما بضيق عليا الدنيا بروح إلى مسجد سيدى الطيب، وأقضى هناك يوما كاملا، وأرجع آخر النهار، وأجد كل مشاكلى اتحلت» فقلت لنفسي: «هذه طبيعة الزهاد».

قبل دخول قرية القرنة ، سألت السائق أحمد: لماذا لم تسألنى من أنت؟!.. فقال: «من واجب الضيف ألا أسأله إلا إذا قال هو.. فقلت له إننى صحفي.. فقال: أهلا وسهلاً.. انتوا جايين تصوروا ضيوف شيخ الأزهر الشيخ أحمد، فقلت له: بل جئت لأقابل زوار الساحة.

بدت الساحة كقلعة حصينة، لكن جميع أبوابها مفتوحة، وكانت الساعة الثانية عشرة ظهرا، وبدأت خطبة الجمعة، ووجدت الآلاف داخل مسجد «الساحة» وخارجها، وهنا لم أهتم إلا بالحصول على مكان لأداء صلاة الجمعة.

انتهت الخطبة التى تناولت سماحة الدين وفقه العفو فى الإسلام، وكان خطيب المسجد إماما سمح المحيا، عرفت أنه من عائلة صوفية، وتعلم داخل ساحة الطيب فى بداياته، وقد علمت أن هناك أكثر من 90 وزيرا ومفتيا من الضيوف الدائمين للإمام الأكبر بساحته من أغلب دول العالم.

بدأ خروج الناس من المسجد، وكان فى مقدمتهم شيخ الأزهر، وقد التف حوله محبوه ومريدوه، وتزاحموا من أجل مصافحته وتقبيل يده، وفى مشهد يوحى بأنه أحد أولياء الله الصالحين، وتفاعل الإمام الأكبر مع محبيه، وأصر على مصافحة كل يد تصل إليه بحميمية لم أعهدها إلا فى قراءاتي لسير الزهاد ومريديهم.

تجسد أمامنا المكان فى مساحة تبلغ حوالى50 ألف متر، وعبارة عن قاعتين فسيحتين، الأولى بها ساحة كبيرة بجوار المسجد، ومليئة بالطاولات والمقاعد الخشبية البسيطة، ويطلق عليها ساحة الفقراء، والثانية بها عدد كبير من المقاعد الصعيدية والمكسوة بفرش تقليدى، لكنه نظيف للغاية، وفى المقدمة مقعد فضيلة الدكتور أحمد الطيب ، وتراصت بالطول مقاعد يجلس عليها المتخاصمون أو أصحاب المشكلات، وفى أغلب الأوقات يجلس الشيخ محمد الطيب الشقيق الأكبر للشيخ الطيب فى مقعد القيادة، لانشغال الإمام الأكبر بمهام عمله فى المشيخة.

وقف فضيلة الدكتور أحمد الطيب على باب قاعة الضيوف، ليستقبل الزائرين بعد أن فرغوا من أداء صلاة الجمعة، وبدأ يستمع إلى بعض الشكاوى، ووعد بحلها، ثم جلس الإمام الأكبر فى مكانه المخصص، وتبادل أطراف الحديث وكلمات الترحيب مع الحضور، وأثناء ذلك كان ينظر لجميع الموجودين، وكأنه يتحدث إلى كل شخص على حدى، وتلك إحدى السمات المميزة لشخصيته، والتي استمدها من آبائه وأجداده «آل الطيب».

وهنا دعا د. الطيب الجميع لتناول الغداء فى قصره المنيف، وهناك انتهزت قربى من الإمام الأكبر، وسألته: ما هى الطريقة الخلواتية التى تسود الساحة ومدى تأثيرها فى شيخ الازهر د. أحمد الطيب؟!

قال الإمام الأكبر: أريد أن أصحح معلومة تتداولها وسائل الإعلام، وهى أننى لست شيخا للطريقة الأحمدية الخلواتية، لكن أنتمي إليها، أما شيخها فهو شقيقى الأكبر الشيخ محمد الطيب.

وبصوت خفيض اعترف شيخ الأزهر بتواضع مفرط: إننى لا أملك مقومات الزهد الصوفى.

طلبنا التحدث مع رئيس دولة الزهاد والفقراء الشيخ محمد الطيب، وهو أعلى قامة فى الساحة، ورجل تكسوه المهابة والوقار، وتواضع العلماء، ويقابل الناس بوجه بشوش وبسام، وتبادلنا معه أطراف الحديث، وقال: إن هذه الساحة ترجع إلى جدى أحمد الطيب المولود قبل 1850ميلادية، ومهمتها الأساسية تقديم «التنمية الروحية»، وحل مشاكل الناس، وإزالة الخلاف بينهم وإقامة الحق والعدل، وتقديم المساعدة للمحتاجين والأرامل واليتامى، وأيضا ملجأ وملاذا للذاكرين، وكل شيء منظم ويسير فى طريقه الصحيح، وهي ليست قاصرة على أهالى الأقصر ومحافظات الصعيد، بل نستقبل زوارنا من كل بقاع مصر.

وعند سؤاله عن أنواع الزائرين، صمت وأشار بأصبعه الوسطى والسبابة، وقال «اتنين» من الزوار، الأول محب لساحة الطيب وزيارة مسجده، وقضاء وقت بين دروس العلم والأذكار، والثاني يأتى من أجل حل مشكلة، ومعظمها تتعلق بالإرث، لأن ميراث السيدات فى صعيد مصر، ظل لفترات طويلة لقمة سائغة فى حلوق إخوانها من الرجال..

تابع الشيخ محمد بقوله: وأنا هنا أقوم بإحضار جميع الأطراف، ومع زيادة الناس ومشاكلهم، قمنا بتعيين مساعدين لنا فى أغلب محافظات صعيد مصر، وهم أشخاص نثق فيهم وفى إخلاصهم وقدرتهم على التأثير، ومع استحداث أساليب الاتصال الحديثة، أصبح تليفونى معروفا للجميع وتعرض عليّ المشكلة شخصيًا أو عبر الهاتف.

انتقلت إلى سؤال آخر حول من يأتون إلى الساحة، ليشهروا إسلامهم، وبدت على ملامح الشيخ محمد عدم الرضا عن السؤال، وقال: هذه الساحة يأتى إليها الكثير كى يشهروا إسلامهم، وأول شيء أقوله لهم – بأن الإسلام ليس فى حاجة لكم، وقد يأتى إلينا مسيحيون توفيت زوجاتهم ويريدون الزواج، فيدخلون الإسلام من أجل هذا الغرض وليس عن اقتناع بالدين الحنيف، وتأتي فتيات أعمارهن لا تتعدى 16 و17 سنة، وأقوم بإرجاعهن لأهلهن، بعد التأكد من عدم التعرض لهن بمكروه، وحتى لا يقعن فى العقاب الأسرى، لكن إذا أصروا على ذلك، فأدلهم على جهات رسمية مختصة بذلك.

«أطلق الشيخ محمد ضحكة، وقال: «أنا هنا يطلق عليّ بأن نصفى شيخ ونصفى الآخر قس مسيحى».

من جهته، قال عبد الناصر إبراهيم الطيب ابن عم الإمام الأكبر: إن ساحة الطيب ليست وليدة اليوم، كما يتخيل الكثيرون، بل أنشئت قبل مائتى عام، ومنذ ذلك الحين تلعب دورا مهما فى حل الخصومات ومواجهة الأزمات.

أوضح عبد الناصر أن نظام الساحة له قواعد خاصة لسير العمل، ولكل فرد مسئولية، فيما يشبه نظام الدولة، فلدينا عُمد مسئوليتهم تقارب مهام الوزراء، ولدينا مسئول مراسم الساحة، ومهمته التنسيق بين جميع الأجهزة التى فى الساحة، وسر النجاح هو الإخلاص لله سبحانه وتعالى وبركة جدى الشيخ الطيب.

التقط خيط الحديث العمدة شلبى، وهو رجل طويل القامة أسمر اللون، وأحد أركان ساحة الطيب كما يصفونه، وقال: إن آل الطيب لا يتركون مشكلة دون التدخل فيها، ونحن هنا فى الساحة نعمل على أن يكون تدخلنا دائما فى الوقت المناسب.

الساحة مكان له عالمه الخاص، ويعج بالزائرين من كل لون، ولم يبرح خيالنا حلقات الذكر للزهاد، وعند دخولنا المسجد لم يشعر بنا أحد، فالكل زاهد عن الوجود، ويشطح بجسده، وروحه تحلق فى فضاء سماوي.

كذلك، تجرد قراء الأوراد من كل شيء فى الدنيا، وذابوا فى صفات الله وجماله، ولم ينظر إلينا هؤلاء الزهاد، ونحن نقوم بتصويرهم، ولم يتحرك لهم ساكن، فهم فى ملكوت آخر، وأرواحهم تطير فى السماء، ولم نجد شخصا يجلس منفرداً، فالكل فى مجموعات إلا كبار السن المنزوين فى آخر زوايا المسجد العتيق.

اقتربت من الحاج مصطفى «80 عاماً»، وسألته: متى تقام هذه الأذكار فى المسجد، فقال: يا بنى تقام ثلاثة أيام فى الأسبوع، وأهمها يوم الجمعة، وتبدأ بعد صلاة العصر إلى قيام صلاة المغرب، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم، قال إن قيام الساعة سيكون ما بين صلاة العصر والمغرب يوم الجمعة، ونحن هنا نحيى هذه السنة، عسى أن نلقى ربنا، ونحن من الذاكرين أسوة بسيدنا الشيخ الطيب رحمه الله، الذى كان مداوما عليها.

غادرنا الساحة، وظل خيالنا يحلق فى أرجاء المكان، وتخايلنا أصداء المشاهد الآسرة للقلوب، وهذا الفضاء الذي يحوي أسراره، ويكسو زائريه بالوجل والعشق، لتحلق نفوسهم فى فيوض رحمانية، وتصاحبهم كرامات من دفنوا وماتوا، وهم يعشقون لقاء الله وحب رسوله وأولياءه.. حقا إنها رحلة إيمانية.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان