تناول الأدوية بدون داع وبدون إشراف طبي يعرض حياة الإنسان للخطر.. هذا تحذير أطلقه الأساتذة (ألفت نور - سلوى مطاوع - ابتهال غيث - زينب عبد المنعم) على لسان أطباء وصيادلة تلك الفترة وأكدوا أن حل هذه المشكلة هو منظومة تأمين صحي شامل لكل طبقات الشعب .. وهو بالفعل بدأ في مصرعام 2018 ويطبق على ست مراحل وتنتهي منه الدولة المصرية عام 2032 .
كثيرا ما نذهب إلى أقرب صيدلية ... ونشترى بعض المسكنات أو قليلا من الفيتامينات ولا مانع من علبة أو علبتين من المضادات الحيوية إيمانا منا بأن كل واحد هو طبيب نفسه أو طبيب غيره.
ولو عرفنا أن كثيرا من المضادات الحيوية تحتاج إلى دقة بالغة فى استخدامها وأن أى زيادة فى جرعتها يمكن أن تعرضنا للإصابة بأمراض خطيرة مثل القلب وأن تناول الفيتامينات بكثرة اعتقاد خاطئ أنها تكسبنا قوة يمكن أن تصيبنا بتليف الكبد وأن تناول المسكنات بكثرة يمكن أن يمزق جدار المعدة .. لو عرفنا كل هذا لتخلينا فورا على أن نشخص الداء ونصف الدواء بل وتوقفنا عن التبرع بالنصيحة للجيران والأصحاب والزملاء وحتى أطفالنا الأبرياء.
ونحن فى مصر نواجه أكثر المشاكل الصحية على الإطلاق ف الدواء يُباع بحساب وبغير حساب وسنة بعد سنة يزيد استهلاكنا من الدواء فوق الحدود المعقولة وغير المعقولة.. فنحن نستهلك الدواء بزيادة سنوية تصل إلى 20% .. ففى العام الماضى استهلكنا بحوالى 200 مليون جنيه وفى العام الحالى سيرتفع الرقم إلى 240 مليون جنيه للدواء..
ولو استمر هذا المعدل فسترتفع أرقام استهلاك الدواء فى عام 2000 لأكثر من 1500 مليون جنيه والغريب أن هذا يحدث فى الوقت الذى يتجه فى العالم كله إلى التقليل من استخدام الدواء وترشيد استهلاكه ليس فقط من أجل اعتبارات اقتصادية وإنما من أجل اعتبارات الصحة العامة وهذا هو الأهم . ولهذا نجد كثيرا من الدول تطبق فيها قاعدة عدم صرف الدواء بدون روشتة طبيب حتى لو كان قرص أسبرين.
ولكن من المسئول عن ارتفاع أرقام استهلاك الدواء فى مصر؟.. هل أنت وحدك الذى تصف لنفسك الدواء وتجربـــه.. أو الصيدلى الذى لا يضع فى اعتباره إلا المكاسب ويصرف لك أى دواء تطلبه.. أو الطبيب الذى يسرف أحيانا فى كتابة الروشتة بالمطلوب وغير المطلوب.. أو وزارة الصحة المسئولة رقم واحد عن أى مشكلة صحية.. أو الجميع؟!
وهنا يتساءل الدكتور على حجازى وكيل وزارة الصحة لشئون الصيادلة هل يمكن هنا فى مصر أن نطبق هذا النظام الذى لا يسمح بصرف أى دواء بدون روشتة؟ إن هذا معناه أن أى مريض يشكو من الصداع مثلاً فعليه أن يدفع جنيها على الأقل كشف لأى طبيب حتى يكتب له روشتة فيها نوفالجين لا يزيد ثمنه على خمسة قروش!
إن هذا ضد المنطق وضد ظروفنا الاجتماعية والاقتصادية إنهم فى الخارج يطبقون هذا النظام لوجود نظام شامل للتأمين الصحي يتيح لأي مواطن فرصة الكشف المجاني عند أي طبيب.. وبالتالي فليست هناك حجة لأحد أن يشتري الدواء إلا بتذكرة الطبيب وتحت إشرافه.. ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن ننكر أن مشكلة استهلاك الدواء فى مصر تزيد عاما بعد عام، فالمريض فى مصر هو فى أغلب الأحيان طبيب نفسه يصف الدواء لنفسه ويجربه وهذا فى الواقع يعرض الكثيرين للخطر وخاصة أن بعض المضادات الحيوية الحديثة تحتوى على هرمونات وزيادة الجرعات من هذه المضادات لها أكبر الآثار الضارة على صحة المريض وحتى الفيتامينات يجب عدم استخدامها بدون استشارة الطبيب.
والحل.. إننا فى الواقع نحتاج إلى خطة واسعة يتم فيها ترشيد استخدام الدواء سواء بالنسبة للطبيب الذى يسرف أحيانا فى كتابة الروشتة.. أو الصيدلى الذى يصرف بعض الأدوية بدون روشتة رغم علمه بمدى خطورتها.. ثم علينا على الأقل أن نحدد قائمة بكل الأدوية التى يمكن أن تُعرض حياة الذى يتناولها للخطر ويلتزم الصيدلى بعدم صرفها إلا بروشتة الطبيب وفى نفس الوقت يجب أن نعمل على نشر العيادات الطبية الشعبية التى تيسر للمريض الكشف بأسعار رمزية فى متناول يده وحتى لا يلجأ إلى توفير أجرة الكشف المرتفعة هذه الأيام ويصف الدواء لنفسه ويجربه.
أما الدكتور صلاح شهبندر عميد معهد أورام السرطان فيقول: إن المشكلة تتضح أكثر فى الريف المصري حيث تقل الخدمات الطبية عن الحد المعقول فكل أربع أو خمس قرى تشترك فى وحدة طبية واحدة وهذا يعنى إستحالة وصول الخدمات الطبية إلى الريف وبالتالى يكون تعامل المريض فى الغالب مع الصيدلى وهذا ضد القانون فالقانون يمنع أي شخص لا يزاول مهنة الطب من إعطاء حتى المشورة الطبية ولكن هذا واقع يحدث ولا حيلة لنا فيه إلا إذا امتد نظام التأمين الصحى ليشمل القرى والنجوع والكفور.
وهو يطالب بضرورة تنشيط برامج التدريب للأطباء حتى بعد تخرجهم لإطلاعهم على أحدث نظم العلاج وحتى لا تكون روشتة الطبيب طويلة وعريضة بدون داعٍ تكلف المريض صحته وتكلف الدولة أعباء كثيرة.
أما دكتور نبيل عزيز وهو صيدلى له ١٥ عامًا فى المهنة فيقول: إن مسألة عدم صرف الدواء بدون روشتة لا يمكن تطبيقه عامة كما أنه لا يمكن أن يطبق حاليًا فى مجتمعنا، محدودو الدخل فى الغالب لا يستطيعون الذهاب إلى الطبيب إلا فى الحالات المرضية الشديدة جدًا وهذا النظام يحتاج الى تطبيق نظام التأمين الصحى أولا وعلى كل طبقات الشعب ولكننا نجد حاليًا أن تطبيقه على عمال القطاع الخاص مثلا وفى ظل الظروف الحالية غير متاح.
إن المشكلة فى النهاية تأخذ شكل المعادلة الصعبة فنحن محتاجون أمام ظاهرة تزايد استهلاك الدواء بهذه الصورة إلى ترشيد.. والترشيد يحتاج إلى منع تداوله بدون روشتة.. ونظام صرف الدواء بدون روشتة يحتاج أولا إلى تطبيق نظام التأمين الصحى على كل طبقات الشعب.. وتطبيق النظام الصحى غير متاح حاليًا.. فما هو الحل؟!
نشر بمجلة أكتوبر فى فبراير 1980م – 1400هـ