يوسف وهبي.. عميد المسرح العربي

يوسف وهبي.. عميد المسرح العربيالفنان يوسف وهبي

كنوز أكتوبر23-2-2026 | 09:30

حكاية الفنان يوسف وهبي استمع إليها الأستاذ محمد قابيل ثم قصها لنا على صفحات المجلة لنعرف الكثير من الأسرار عن مشوار الفنان يوسف وهبي عميد المسرح العربي

منذ ١٧ سنة وقع يوسف وهبي على سلم منزله .. قال الأطباء : يحتاج إلى مسمار فى الحوض .. والمسمار يحتاج إلى سفرية إلى لندن لمدة عامين ولما عاد لم يعد لسابق نشاطه بنفس القوة ومنذ أسبوع وقع مرة أخرى على نفس السلم وقال الأطباء هذه المرة : قدر ولطف ولا يحتاج إلا إلى علاج طبيعي لمدة شهر وبعدها سيعود يوسف وهبي إلى نشاطه العادي.
وحكاية يوسف وهبي أو صاحب مؤسسة رمسيس حكاية طويلة فهو لم ينس أول أمر صدر له من والده وهبي باشا يقول: «اخرج من بيتي عليك اللعنة لابد أن احرمك من الميراث» ولم يكن الباشا يعرف أنه هو نفسه الذي عرض ابنه للفحة الفن فى سن مبكرة..
يقول يوسف وهبي :
لم أكن أعرف شيئا عن المسرح قبل سن السابعة حتى زارتنا فرقة لأحد الرواد فى مدينة سوهاج -حيث كان والدي يعمل مفتشا عاما للري - وكان يدعى أبو سليم القرداحي وهو لبناني وكان أول لقاء لي مع هذا الفنان الكبير حينما حضرت له أول مسرحية وهي «عطيل» وأذكر أنني فى أحد المشاهد وأنا جالس مع والدي فى مقصورته فزعت من رؤية الفنان فى أحد المشاهد وهو ينتف شعر رأسه ولم أكن أعرف أنه يضع شعرا مستعارا فصرخت صرخة مدوية وإذا الفنان يلتفت إلي من فوق الخشبة ويقول بلهجة لبنانية: «لا تخف يا صبي هذا تشخيص.. هاتوا صباع ملبن لابن جناب مفتش العموم».
ثم انتقلنا إلى القاهرة والتحقت بجمعية تدعى هواة التمثيل العربي وكنت فى سن 12 سنة وأول دور قمت به على المسرح هو دور شيخ سنه 70 ولما انتقلت للمدرسة السعيدية الثانوية عهد إلي أستاذ اللغة الإنجليزية وهو بريطاني القيام بأدوار مسرحية.
وتضاعفت هوايتي عند مشاهدتي لمختلف الفرق الأجنبية التي كانت تزور مصر وتقدم عروضها على مسرح الكورسال.
وبدأت فى احتراف التمثيل فى سن 18 سنة عندما انضممت إلى فرقة عزيز عيد الفولفيليه ممثلا وملحنا وكانت تعمل على مسرح كازينو دي باري.
مسرح غير مدروس
ورغم صغر سني كنت أُلاحظ كثيرا من الأخطاء خلال تقديم هذه العروض منها موعد رفع الستار ... فتعلن الفرق أن ستارها يُرفع فى التاسعة مساء ولكن كنا أحيانا ننتظر حتى العاشرة والنصف وكان هذا يسبب مللا كبيرا عند الجماهير وكانت المسرحية تنتهي فى وقت متأخر فى الثانية صباحا مما يضطر الجماهير أن تستعين فى العودة إلى منازلهم باستئجار عربة أو سيارة . كما أني لاحظت أنه برغم من الاتقان وقدرة الفنانين وتعبيرهم الجيد إلا أن كل هذا يضيع بسبب سوء الإضاءة وعدم توزيع الأضواء، كما أن معظم الممثلين كان سيئ المكياج وأحيانا كانت الملابس لا تتفق مع العرض وكان صوت الملقن يزعجنا وكذلك صوت قزقزة اللب والفول السوداني وكان الجمهور يأتي متأخرا معتمدا على تأخير موعد رفع الستار وأحيانا كان الجمهور يضحك ويصفق فى وقت غير مناسب، وعلى العموم فقد كان فن المسرح غير مدروس والذي زاد الطين بلة أن الفنان كان لا يحترم مظهره الاجتماعي أحيانا .. وقد تيقنت من ذلك بسبب عروض الفرق الأجنبية التي شاهدتها والتي كانت تحضر فى رحلات إلى مصر وكيف كانت تراعي أصول المسرح والإخراج وإجادة العرض وكيف كانت تهتف لها جماهير الأجانب وخاصة عروض مسرح الأوبرا ومسرح الكورسال.
ولهذا قررت عندما أنتهي من دراستي فى المعهد العالي الإيطالي أن أُكّون فرقة لرد اعتبار المسرح أتحاشى فيها كل ما رأيته من أخطاء أقدم لمواطنيَّ فنا ثقافيا هادفا.
لقد دفعني حبي للمسرح أن أسافر إلى إيطاليا بعد أن طردني أبي من المنزل لعلمه أنني أعمل فى مهنة لا يتقبلها الجمهور، وما زلت أذكر يوم سفري إلى إيطاليا على باخرة فى الدرجة الرابعة بعد أن لجأت إلى مربيتي التي منحتني سواريها الذهبيين لأستعين بهما على شراء تذكرة السفر .
فرقة رمسيس
ذهبت إلى إيطاليا لا أعرف كلمة إيطالية واحدة .. وهكذا بدأت حياتي الفنية .. أدرس فى إيطاليا وأعمل فيها مع الكومبارس عدة سنوات وجرسونا ومصارعا .. درست فى هذه الفترة القاسية أصول المسرح وشاهدت كيف تقدر النظارة رسالة المسرح الثقافية وكان هدفى أن أرتوي من ينبوع الفن الصحيح لأعود إلى بلدي وأرد اعتبار المسرح.
وما أن توفى والدي وورثت عنه ثروة محترمة عدت لأُكون فرقة رمسيس عام ١٩٢٣.. وكونت فرقة رمسيس وعهدت بإخراج المسرحيات الأربع الأولى للأستاذ عزيز عيد ولم أقم أنا بالإخراج لأن الأستاذ عزيز عيد كان موجودا وهو أول مخرج مسرح مصري .. ولكن عندما انفصل عن مسرح رمسيس حللت مكانه.
أما سر النجاح الذي حققته فرقة رمسيس فيرجع إلى نوعية المسرحيات التي قدمتها بالإضافة إلى إجادة الإخراج والإضاءة والتطور الفني الكبير، فقد تغير وجه المسرح منذ افتتاح مسرح رمسيس ولم يعد يقدم عروضا ناقصة أو بها أخطاء ولم يعد الممثل يعتمد على حنجرته .. وأصبحت الأدوار التمثيلية تعتمد على الدراسة الأخلاقية والسيكولوجية وعلى الإيماءة والتعبير الوجهي وإجادة المكياج والسكتات واللفتات وكل ما استعان به المسرح من تطورات وكنا لا نعرض مسرحية إلا بعد وثوقنا بأنها تبحث عن أدواراجتماعية وتحارب تقاليد بالية.. فكان مسرح رمسيس لا يقدم إلا المسرحيات الهادفة من دراما وفكاهة .. وكنا نعرض أيضا فى كثير من الأحيان المترجمات لكبار مؤلفى المسرح الأجنبي لكنها كانت مواضيع مختارة تتفق مع روح العصر مثلا مسرحية «كرسي الاعتراف» بالرغم من أنها مسرحية تدافع عن المبادئ الكاثوليكية إلا أنها تخدم الفضيلة والأمانة والصدق وقد نجحت نجاحا عظيما مما يدل على أن المسرحية الأجنبية يمكن أن تقدم مترجمة على مسارحنا بشرط أن تتفق أهدافها مع حياتنا الاجتماعية.
أما المؤلفات المصرية فقد قدمنا على مسرح رمسيس «أولاد الفقراء - وأولاد الذوات - وأولاد الشوارع - وبيومى أفندى - واستعراض 70 سنة».. وعشرات غيرها كلها مسرحيات تهدف إلى الإصلاح الاجتماعي وتناصر الطبقات المهضومة الحق وترد اعتبار كل الطبقات الكادحة.
فنون أخرى
أما الفنون الأخرى فقد بدأنا فى السينما بفيلم «زينب» ثم «أولاد الذوات» وأكثر من ٤٠ مسرحية تحولت إلى سيناريوهات أفلام ناجحة منها «غرام وانتقام» و«سفير جهنم».
ولعل الكثير لا يعلم أن استوديو رمسيس هو أول استوديو بني فى مصر فى مدينة رمسيس وأكثر من هذا.. فإن من مسرح رمسيس وُلدت محطة مصر الإذاعية الملكية، فمسرح رمسيس شملت نهضته جميع ألوان الفن التمثيلي فى مصر، وأبناء رمسيس أصبحوا نجوما ساطعة أمثال أمينة رزق وفردوس حسن و زوزو نبيل وأنور وجدى وزكى رستم وفريد شوقى و محمود المليجى ومن المخرجين أحمد بدرخان وحسن الإمام.
المسرح المعاصر
وعن رأي عميد المسرح العربي فى المسرح المصري المعاصر قال يوسف وهبي : لا شك أن المسرح المصري قد قفز خطوات عظيمة إلى الأمام وظهر فنانون وفنانات على أعلى مستوى، أما المخرجون فأشهد لهم بالقدرة الفنية والثقافية العالية .. ونحن نشاهد آخر أعمال كرم مطاوع وجلال الشرقاوي. فأستطيع أن أقول إن الفن فى مصر مزدهر، وفنانو المسرح المصري اليوم يضاهون كبار فناني الخارج .. فالمسرح اليوم زاخر بالمخرجين والممثلات والممثلين وساعد اهتمام الحكومة على إقبال الشباب على تعلم التمثيل واحترافه.
والفن المسرحى اليوم يوجد منه نوعان: نوع تناصره الحكومة وتعينه قطاع عام وجعلت من الممثل موظفا حكوميا فانتهز النوع الثانى الفرصة وهو القطاع الخاص وبدأ فى تقديم مقتبسات ممصرة الغرض منها تجارى صرف فأفسدت ذوق الجماهير.
إن مسرح رمسيس كان يختار للموسم ٢٠ مسرحية على الأقل يتدرب عليها الفنانون خلال الصيف ويقدمونها ابتداء من أول أكتوبر حتى موسم الصيف والآن ونحن نكتب هذا الحديث لم يقدم المسرح القومي شيئا وأبوابه مغلقة.. لم يقدم سوى مسرحية لمؤلف أجنبي مع إن اسمه المسرح «القومى» والغريب أن الفرقة القومية عندما تقدم ألوانا مسرحية مصرية سليمة تلقى إقبالاً كبيرًا ورغم ذلك فليس لديها برنامج للموسم ولا شعبة لمسرح التراث.. وأعتقد وأنا على يقين أن الفرقة القومية إذا لجأت إلى التراث القديم فستعثر على عشرات المسرحيات الجيدة التى تضمن إقبال الجماهير.
هجرت المسرح
يقول الفنان يوسف وهبى: منذ اعتلال صحتي هجرت المسرح لكنني لم أهجر السينما.. ولا أُشاهد برامج التلفزيون وهناك مسألة فى غاية الغرابة وهي أن التلفزيون يشكو من قلة البرامج فى حين أنه يصر على عدم عرض مسرحياتى المسجلة بالتلفزيون، كما أن هناك ٨ أفلام سينمائية اشترك التلفزيون معي فى إنتاجها وهى فى نظري خير ما يقدم للجمهور وهذه الأفلام الثمانية هى: «الدفاع -الخيانة العظمى - رجل الساعة - البؤساء - أيام زمان - يد الله - انتقام المهراجا - الاستعباد» وقد تم تصويرها عام ١٩٦٣ وهناك أيضا أفلام قيمة لى مثل « سفير جهنم -عريس من اسطنبول - الرعب الدائم - سيف الجلاد - استعراض
سنة ٧٠» كل هذه الأعمال الفنية يحجبها التلفزيون ويختار لى بعض الأعمال القديمة خاصة بعد أن حكمت المحكمة أخيرا بتعويض مالي قدره ٤٠ ألف جنيه يدفعها التلفزيون لأنه أذاع هذه الأفلام فى التلفزيون، وكان لابد أن يعرضها فى السينما أولا كما ينص العقد المبرم.
ماذا أقرأ؟
وبعد أن هجرت المسرح أقضي ساعات طويلة فى القراءة فلا تستريح أعصابى إلا بالقراءة المتواصلة ومعظم قراءاتى تنحصر فى المسرحيات بمختلف اللغات لأطلع على ما يستجد من تطورات فنية وكثيرًا ما أقرأ ما يصدر من الكتب العربية الجيدة وأشعر براحة كبرى عندما أتصفح مؤلفات طه حسين وتوفيق الحكيم والعقاد وآخر كتاب أسعدتنى الظروف بقراءته كان كتاب الرئيس أنور السادات «البحث عن الذات»، كما أن هناك مؤلفات أستعيد قراءتها مرارًا باللغة الإيطالية أمثال روائع دانتى الليجيرى وطنونجيو وقصص ألبرتو مورافيا، كما أننى أملك مجموعة ضخمة فى مكتبتى لما أبدعه الكسندر توماس وفيكتور هوجو وابسن وبرنشتين ومجموعة كاملة لمعظم ما ظهر من مسرحيات عالمية.
الحب والزواج
كان أول حب عندما كان عمرى ١٨ عامًا، كان انضمامى لفرقة عزيز عيد هو السبب فى وقوعى فى غرام فتاة يونانية هى حبى الأول ولكنى لم أجد مالاً للإنفاق عليها، وبعد سنين مليئة بالمغامرات بين الحب والزواج والطلاق، التقيت بشريكة حياتى السيدة «سعيدة» ووجدت فيها الصفات التى كنت أنشدها فى الزوجة المثالية التى وهبها الله الفطنة والذكاء فأحاطتنى بكل أنواع الحب وخاصة حبها لفنى وبعدها كل البُعد عن الغيرة التى كانت السبب فى طلاقى من السيدة «عائشة هانم فهمى» زوجتى الأولى.
وأدركت زوجتى بفكرها الثاقب أن حبى لفنى لا يضارعه حب فهيأت لى وسائل النجاح والراحة والطمأنينة فأحببت الاستقرار.. وحولت بيتى إلى جنة وكان زواجى بها بعد دراسة وافية لأخلاقها الكريمة وذلك بعد انفصالى عن السيدة «عائشة» بسنة واحدة وهاقد مضى على زواجنا
٤٠ عاما كان همها خلال هذه السنين تهيئة جو من السعادة والتغاضى عن هناتى.. ومعها قد تحولت حياتى من حياة البوهيمية إلى حياة البيت والاستقرار.

أضف تعليق