القطاع العقاري الوجه الآخر لمتانة القطاع المالي في عُمان

القطاع العقاري الوجه الآخر لمتانة القطاع المالي في عُمانصورة أرشيفية

اقتصاد وبنوك1-3-2026 | 18:47

منذ إطلاق رؤية عُمان 2040 بمحاورها وآلياتها، و الاقتصاد العُماني يشهد دفعات قوية للانطلاق نحو التنافسية العالمية وهو ما أكدت عليه وكالات التصنيف الإئتمانية الدولية وصندوق النقد والبنك الدوليين، وبات كل قطاع من القطاعات الاقتصادية ينسجم من أهداف وتطلعات القطاع الآخر، والحديث هنا عن العلاقة بين القطاع العقاري والمدن المستدامة وبين القطاعين المالي والمصرفي في سلطنة عُمان.

والمتابع للمشهد الاقتصادي في عُمان خلال الآونة الأخيرة يلحظ أن القِطاع العقاري بات يشهد مرحلة تحوُّل عميق تتجاوز حدود النُّمو التقليدي إلى إعادة تعريف دَوْره في الاقتصاد الوطني، حيثُ تحوَّل التطوير العمراني من نشاط تابع لِدَوْرات الطلب السكني أو تحرُّكات السوق قصيرة الأجل إلى أنَّه أصبح جزءًا من معادلة التنويع الاقتصادي، وإعادة توزيع مراكز الثقل التنموي في مختلف المحافظات، وذلك في ظلِّ توجُّهات رؤية «عُمان 2040» والخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة.

وهنا يتحول العقار إلى أداة استراتيجيَّة لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصاديَّة عَبْرَ إنشاء مُدُن متكاملة تستوعب الأنشطة الصناعيَّة والخدميَّة والسياحيَّة ضِمن منظومة مترابطة تولد قِيمة مضافة ممتدَّة، وهو ما يعكس إدراكًا مؤسَّسيًّا بأنَّ الاستثمار في التخطيط الحضري المتوازن يخلق أثرًا مضاعفًا يمتدُّ إلى قِطاعات المقاولات، والمواد الإنشائيَّة، والخدمات الهندسيَّة، والتمويل، وإدارة الأُصول، بما يُعزِّز مساهمة القِطاع في الناتج المحلِّي غير النفطي.

ومع إطلاق مشروعات حضريَّة كبرى في عددٍ من المحافظات، تتَّجه سلطنة عُمان نَحْوَ نموذج تنموي يهدف إلى تمكين الأقاليم اقتصاديًّا، وتقليل الضغط على المراكز الحضريَّة التقليديَّة، وخلق فرص عمل نوعيَّة في مجالات التخطيط، والتقنيَّات الذكيَّة، وإدارة المجمَّعات العمرانيَّة.

وفي موازاة هذا التحوُّل الهيكلي، يتجلَّى البُعد التشريعي والتنظيمي المصرفي والمالي بوصفه حجر الأساس الَّذي يُحدِّد قدرة السوق العقاريَّة على الانتقال من مرحلة التوسُّع الكمِّي إلى مرحلة النُّضج المؤسَّسي، إذ إنَّ أيَّ طفرة عمرانيَّة لا تستند إلى إطار قانوني واضح سرعان ما تتحول إلى عبء على الثقة والاستقرار.

وقد عكستِ الأمسيَّة الرمضانيَّة الَّتي نظَّمتها غرفة تجارة وصناعة عُمان حَوْلَ مستقبل القِطاع العقاري والمُدُن المستدامة هذا الإدراك المؤسَّسي، حين ركَّزتْ نقاشاتها على القانون الجديد للتطوير العقاري ودَوْره في تعزيز الشفافيَّة، وحماية المستهلك وترسيخ الثقة الاستثماريَّة. فتنظيم حسابات الضمان، وتكريس مبادئ الإفصاح، وإعادة ضبط العلاقة بَيْنَ المطوِّر والمشتري والمموِّل ضِمن معادلة أكثر انضباطًا، تُمثِّل عناصر أساسيَّة لبناء سوق أكثر استقرارًا.

كما أنَّ تطوير منظومة جمعيَّات المُلَّاك وتعزيز الأُطُر الرقابيَّة لإدارة المجمَّعات العمرانيَّة يُعزِّز استدامة الأُصول، ويحافظ على قِيمتها السوقيَّة على المدى الطويل، وهو ما يُشكِّل عامل جذب لرؤوس الأموال الباحثة عن بيئة قانونيَّة واضحة وقابلة للتنبؤ؛ لذا فإنَّ الرهان الحقيقي ينطلق بإصدار التشريعات المصرفية والمالية، ويمتدُّ إلى كفاءة التطبيق وفاعليَّة الرقابة، بما يَضْمن أنْ يتحولَ الإطار القانوني إلى رافعة عمليَّة تُعزِّز تنافسيَّة السوق العُمانيَّة إقليميًّا، وترسِّخ مكانتها كوجهة استثماريَّة مستقرَّة.

وإذا كان الإطار الاقتصادي يمنح القِطاع زخمه، والإطار التشريعي المصرفي والمالي يوفِّر له الاستقرار، فإنَّ البُعدَ البيئي والتخطيطي سيحدِّد جودة هذا النُّمو واستدامته في العقود المقبلة، حيثُ يتقدم مفهوم المُدُن المستدامة والذكيَّة لِيصبحَ المعيار الَّذي يقاس به نجاح أيِّ مشروع عمراني جديد.

فالتخطيط الحضري تخطَّى فكرة توزيع الأراضي ورسم الطُّرق، وباتَ قائمًا على تكامل الاستخدامات، وتقليل الاعتماد على المركبات، ورفع كفاءة الطاقة، وإدارة الموارد المائيَّة بكفاءة، وتوظيف التقنيَّات الرقميَّة في تشغيل وإدارة المَرافق العامَّة.
لذلك فإنَّ المدينة المتكاملة الَّتي تجمع بَيْنَ السكن والعمل والترفيه والخدمات في نطاق متوازن ترفع جودة الحياة، وتخفِّض كلفة التشغيل على المدى الطويل، وتُعزِّز قِيمة الأُصول العقاريَّة، وتدعم معايير الاستدامة البيئيَّة الَّتي أصبحتْ شرطًا ضمنيًّا لجذب الاستثمارات النوعيَّة، كما أنَّ دمج الطاقة المتجدِّدة، والمساحات الخضراء، وأنظمة البناء الذَّكي، يُشكِّل تحوُّلًا من عمران يستهلك الموارد إلى عمران ينتج قِيمة اقتصاديَّة وبيئيَّة في آنٍ واحد.

وهنا تتجاوز المسألة البُعد الجَمالي إلى بُعدٍ استراتيجي يرتبط بقدرة المُدُن العُمانيَّة على المنافسة إقليميًّا، واستقطاب الكفاءات والخبرات الَّتي تبحث عن بيئة حضريَّة متطوِّرة، مستقرَّة، وذات معايير واضحة في الحوكمة والاستدامة.
إنَّ اكتمال المعادلة بَيْنَ الاقتصاد والتشريع المصرفي والمالي والاستدامة يضع القِطاع العقاري أمام اختبار التنفيذ الفعلي، حيثُ تتحول الرؤى والاستراتيجيَّات إلى نتائج قابلة للقياس ترتبط بمعدَّلات الاستثمار، وجودة المشروعات، واستقرار السوق على المدى الطويل.

فالمرحلة المقبلة تتطلب أدوات تمويل مبتكرة تدعم المشروعات الكبرى دُونَ أنْ ترهقَ السيولة المحليَّة، وتفتح المجال أمام شراكات أكثر عمقًا بَيْنَ الحكومة والقِطاع الخاص، بما يُعزِّز كفاءة تخصيص رأس المال ويرفع وتيرة الإنجاز، كما أنَّ تسريع الإجراءات، وتوفير بيانات سوقيَّة دقيقة، ورفع جاهزيَّة البنية الأساسيَّة في المحافظات، تُشكِّل عناصر حاسمة لضمان أنْ يبقى الزخم الحالي مستدامًا لا ظرفيًّا.

وهنا يأتي دور البنك المركزي العماني، في تحقيق الاستقرار المالي وتقديم الدعم للقطاع العقاري من خلال توفير البيئة الاقتصادية المواتية والتدابير والسياسات الحكيمة التي تعزز هذا الاستقرار.

ومع الدور الحيوي الذي يقوم به النظام المالي في تعزيز النمو الاقتصادي المستدام، ونظراً لتعدد جوانب الاستقرار المالي، قام البنك المركزي العماني بتطوير مؤشر الاستقرار المالي المركب والذي يتكون من خمسة مؤشرات فرعية تعكس مشهد الاستقرار المالي في سلطنة عُمان، وهي الاستقرار المصرفي، والمخاطر النظامية، واستدامة الدين، واستقرار العملة، وأسواق رأس المال، ويستهدف المؤشر قياس درجة الاستقرار المالي وتوفير صورة شاملة بهدف تقديم رؤى ومعلومات قيمة لأصحاب العلاقة وصانعي السياسات ومتخذي القرار ترتبط بالأوضاع الحالية لاستقرار النظام المالي وتطوره على مدى فترات زمنية محددة, ويستخدم المؤشر مقياسا من 1 إلى 5 بحيث يشير 1 إلى مستوى "استقرار منخفض" و5 إلى مستوى "استقرار مرتفع".

ويشار إلى أن التراجع الحاد في حجم الدين العام والتحسن السريع في التصنيف الائتماني لسلطنة عمان خلال سنوات قليلة من تنفيذ رؤية عمان كانا من أهم المؤشرات التي أظهرت التحول الكبير في الوضع المالي وأدت إلى زيادة الثقة في قدرة سلطنة عمان على سداد التزاماتها المالية والإدارة الحصيفة لمحفظة الاقتراض والوصول لاستقرار مالي ملموس بعد تقدم مستمر في تنفيذ خطط الضبط المالي والخطة المالية متوسطة المدى وترشيد ورفع كفاءة الإنفاق العام وتعزيز مصادر الدخل غير النفطية، حيث استعادت سلطنة عمان تصنيفها عند درجة الجدارة الاستثمارية بدءا من عام 2024.

وأجمعت وكالات التصنيف الائتماني العالمية الكبرى على تصنيف الجدارة الائتمانية لسلطنة عمان خلال عام 2025، وذلك بعد تردٍ كبير للتصنيف إبان الأزمة المزدوجة التي نتجت عن تفشي الجائحة وتراجع النفط، ومع تسريع سداد الدين، انخفضت نسبة الدين العام من الناتج المحلي الإجمالي من مستوياتها المرتفعة في عامي 2020 و2021 والتي تجاوزت 67 بالمائة من الناتج المحلي لتسجل 35.7 بالمائة، وهي قرب الحدود الآمنة وفق قانون الدين العام، وانخفض حجم الدين إلى 14.7 مليار ريال عماني في نهاية عام 2025، كما اتجه الاقتصاد العماني لتعاف في عام 2021 ثم نمو متواصل خلال السنوات الماضية متجاوزا التحديات ومستفيدا من ارتفاع أسعار النفط منذ عام 2022 وحزم التحفيز وسياسات التنويع الاقتصادي وبرامج ومبادرات تشجيع جذب الاستثمار، وأثمر تحسن الوضعين المالي والاقتصادي عن تراجع كبير في المخاطر المحيطة بالمركز المالي للدولة وآفاق النمو، وثقة متزايدة في القدرة على إدارة الالتزامات والعجز المالي السنوي خاصة مع تراجع أعباء الدين والانخفاض الحاد في الاقتراض الخارجي خلال العامين الماضيين.

المؤكد أن هذه البيئة الاقتصادية الآمنة سالفة الذكر التي وفرها البنك المركز العُماني، قادرة على إدارة القطاع العقاري إدارة إقتصادية رشيدة تدعم التنمية المستدامة، وهنا يمكن القول أنَّ مستقبل القِطاع العقاري يُقاس بقدرته على إيجاد قِيمة اقتصاديَّة ممتدَّة، وتحقيق توازن بيئي فعلي، وتمكين المحافظات العُمانية من التحوُّل إلى مراكز جذب واستثمار وإنتاج، وعند هذه النقطة يتحدَّد المسار بوضوح؛ إمَّا سوقًا عقاريَّة تكرِّر أنماط النُّمو التقليدي، أو قِطاعًا استراتيجيًّا يُعِيدُ صياغة المشهد الحضري والاقتصادي في سلطنة عُمان لعقودٍ قادمة.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان