الخدمة العامة.. مشكلة أكثر من مهمة

الخدمة العامة.. مشكلة أكثر من مهمةصورة تعبيرية

كنوز أكتوبر3-3-2026 | 15:27

صدر قانون الخدمة العامة في مصر عام ١٩٧٣ والأستاذ فايز حلاوة في مقاله «حلاويات» يتخيل كيف تكون الخدمة العامة من وجهة نظره .

من المؤكد أن مشروع الخدمة العامة من المشروعات العظيمة كما أن فكرته من الأفكار اللامعة البراقة لكن كم من الأفكار اللامعة قد توقفت آثارها عند حدود بريقها.
والفكرة المبدئية فى مشروع الخدمة العامة فكرة أكثر من مهمة فى تعبير إنسانى عن الإحساس بالعمل الوطنى ورد الجميل ومد يد العون والمشاركة فى توصيل الخدمة إلى أولئك الذين لم يسعدهم الحظ بالحصول على مميزات وفرص كتلك التى حصل عليها خريج الجامعة.
ومن المؤكد أن هذا المشروع على الورق يتضمن الكثير من المقدمات والمبررات ومن الجائز أن أهدافه قد كتبت بالشعر الحديث لما فيها من أهداف نبيلة وما تنطوى عليه من أغراض سامية.
وأنا أعلن عن ندمى شخصيًا لأن قانون الخدمة العامة هذا قد صدر مؤخرًا وبعد أن تخرجت فى الجامعة بربع قرن وأعبر عن شديد أسفى لأننى لم أسهم فى تعليم جاهل ولم أقم بعلاج مريض.
ومن الحقائق الثابتة أن إصدار القوانين ليس هو نهاية المطاف وليس هو الغاية فى حد ذاته، لكن العبرة كل العبرة فى تنفيذ القوانين ومتابعتها لضمان الصدق فى تنفيذها وهذا هو جوهر المشكلة.. والذى أعرفه أن هناك فعلاً خدمة عامة لكن الجميع يعرفون أن هذه الخدمة العامة لم تنتج آثارها حتى ساعة تاريخه ولم تظهر ثمارها وأنها تحولت بفعل فاعل إلى شىء روتينى عقيم تقتصر نتائجه على خصم سنة من عمر الكائن الحى وإضاعة ٣٦٥ يومًا من مدة خدمته وتأجيل بدء نشاطه الفعلى فى خدمة المجتمع.
وأنا لا أطالب بإلغاء هذا القانون الوطنى ولا أطالب بإعفاء الخريجين من أداء تلك الضريبة القومية لكننى أطالب فقط بإعادة تنفيذ القانون بالقدر اللازم من الجدية وبطريقة تضمن تحقيق المزايا الفعلية للإفادة من تلك الطاقات الشابة والنوايا الحسنة والزهور النابتة فى الحديقة المصرية.. كما أننى لا ألقى باللوم كله على الإدارة الحكومية لكننى ألقيه مناصفة على جهة الإدارة وعلى الشباب أيضا الذى يقع عليه العيب الأكبر فى تحقيق أحلامنا الوردية والنهوض من كهف التوقف والانطلاق بنا من عصر البخار إلى عصر الأقمار الصناعية.
وقد انحصرت أمراض مجتمعنا النامى منذ نصف قرن فى ثلاثية معروفة ومحفوظة اسمها (الفقر والجهل والمرض) وفى اعتقادى الذاتى أن الفقر ليس سوى نتيجة حتمية للجهل والمرض وأعتقد أيضا أن البدء بمكافحتهما كفيل بأن قضي على هذا الذى لو كان رجلا لقتلته.
ومن الواجب أن يتحرك الشباب طوعا لتحقيق شىء مفيد لأبناء هذا الوطن، فليس المفروض فى رأيى أن يتكاسل الخريج ويقبع فى بيته انتظارًا لخطاب الخدمة العامة الذى يوزعه على أى موقع ليشكل بذلك رقمًا جديدًا فى العمالة الزائدة لكن واجب الشباب أن يسعى بنفسه ويشارك فى اختيار المجال الأنسب والأنفع.
أتمنى أن أسمع عن مجموعة من الأصدقاء قاموا بالجهد الذاتى بتجميع أنفسهم حول هدف معين وليكن إنشاء فصول مسائية لمحو الأمية أو إنشاء كتاب فى قرية أو حلقات دراسية لتعليم اللغات الحية.. يستطيع هؤلاء أن يتقدموا لإخطار الخدمة العامة بمشروعهم كما يستطيعون الحصول على كل التسهيلات والإمكانيات من الجهات المعنية التى يلزم أن تعاونهم وتشجعهم بكل ما تملك من وسائل مادية ومعنوية.
وتستطيع أى مجموعة من الأطباء حديثى التخرج أن تكون فيما بينها شبه مستوصف أو عيادة خارجية لمكافحة الأمراض المستوطنة فى أى حى أو شارع أو قرية.. أتخيل أنهم يقومون بمسح شامل للموقع وحصر دقيق للحالات التى تستحق الرعاية وأتخيل أيضا أنهم يسعون إلى المرضى فى عقر دارهم ولن ينتظروا فى مكانهم حتى يأتى إليهم المريض.
أتخيل مجموعة من الشباب تمر على بيوت الأغنياء تبحث لديهم عن الدواء والغذاء الفائض والمعونات المادية ليوصلوها إلى ذوى الحاجة والمعوذين.
أتخيل كثيرًا وأتمنى أن أرى أكثر لكن العبرة ليست بالتخيلات ولا بالتمنيات لكنها بالعمل الجاد القائم على الدراسة والتخطيط والمتابعة والصدق وحسن النوايا والإحساس بالوطنية.
يا أيها الأعزاء المسئولون عن الخدمة العامة ليست العبرة بالمكابرة لكن الأهم من ذلك هو اقتحام المشاكل بواقعية ومواجهتها بشجاعة.

أضف تعليق