أكد المفكر السياسي محمد غزال، رئيس حزب مصر 2000، أن التصعيد العسكري الجاري ضد إيران يمثل تطورًا بالغ الخطورة في مسار الصراع الإقليمي، مشددًا على أن ما يجري في المنطقة لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل يعكس تحركًا استراتيجيًا أوسع يهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط وإعادة تشكيل النظام الإقليمي برمته.
وقال: إن المنطقة تشهد تحولات عميقة في طبيعة الصراع، حيث انتقلت المواجهة من مرحلة الصراعات غير المباشرة والحروب بالوكالة إلى مرحلة أكثر خطورة تتسم باحتمالات المواجهة المباشرة، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيدية قد تدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من الاضطراب وعدم الاستقرار.
وأوضح محمد غزال في تصريح لـه أن القراءة الاستراتيجية لما يجري تشير إلى أن العمليات العسكرية الجارية لا تنفصل عن رؤية أوسع تتبناها الولايات المتحدة لإعادة ترتيب البيئة الجيوسياسية في المنطقة، لافتًا إلى أن إسرائيل تتحرك في هذا السياق بوصفها شريكًا إقليميًا رئيسيًا في تنفيذ هذا التصور، بما يعزز موقعها في معادلات القوة الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف "غزال" أن الهدف الأبعد لهذه التحركات يتمثل في إعادة صياغة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، بما يؤدي إلى تغيير خريطة النفوذ والتحالفات التقليدية، وهو ما يجعل هذه المواجهة تتجاوز بعدها العسكري لتصبح جزءًا من صراع أوسع حول مستقبل المنطقة.
وأشار إلى أن أي محاولة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط لن تكون عملية سهلة أو سريعة، لأن المنطقة تمثل إحدى أهم ساحات التنافس الدولي بين القوى الكبرى، موضحًا أن مصالح قوى دولية مثل روسيا والصين تجعل من الصعب فرض نظام إقليمي جديد دون توافقات دولية واسعة، خاصة في ظل الارتباط الوثيق للشرق الأوسط بالممرات الاقتصادية العالمية ومشروعات التجارة الدولية الكبرى.
ولفت إلى أن الصين تنظر إلى المنطقة باعتبارها جزءًا أساسيًا من مشروعها الاستراتيجي المعروف باسم مبادرة الحزام والطريق، وهو ما يمنح الشرق الأوسط أهمية استثنائية في حسابات القوى الكبرى ويجعل أي تحولات جيوسياسية فيه محل اهتمام دولي واسع.
وفيما يتعلق بالموقف الإيراني، أوضح أن المؤشرات الحالية توحي بأن إيران ليست في وارد القبول بسهولة بالضغوط العسكرية والسياسية المفروضة عليها، مشيرًا إلى أن طهران قد تتجه إلى تبني استراتيجية تقوم على توسيع نطاق المواجهة بدلاً من الانكفاء أو التراجع، وهو ما قد يقود إلى مرحلة تصعيدية خطيرة إذا تحولت الأزمة إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.
وحذر من أن الشرق الأوسط قد يكون على أعتاب مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، موضحًا أن أي تصعيد واسع في هذه المواجهة لن تقتصر تداعياته على الأطراف المتصارعة فحسب، بل سيمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي واستقرار أسواق الطاقة العالمية وحركة التجارة الدولية، نظرًا للأهمية الاستراتيجية التي تتمتع بها المنطقة في معادلات الاقتصاد العالمي.
وفيما يتعلق بالموقف المصري، أكد رئيس حزب مصر 2000، علي أن مصر تعاملت مع الأزمة بقدر كبير من الحكمة والاتزان منذ اللحظة الأولى لتصاعد التوتر، حيث تحركت الدولة المصرية عبر قنوات سياسية ودبلوماسية متعددة لمتابعة تطورات الموقف وفتح قنوات اتصال مع عدد من الدول الخليجية.
وأوضح أن التحركات المصرية ركزت على ضرورة تجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تتحول إلى حرب إقليمية واسعة، مشيرًا إلى أن القيادة المصرية تسعى إلى تشجيع الحلول الدبلوماسية وفتح مسارات للحوار بين مختلف الأطراف المعنية بالأزمة.
وأضاف أن القاهرة تتحرك أيضًا من منطلق قناعة راسخة بأن أمن الخليج يمثل جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة الانخراط في مواجهات عسكرية قد تخدم في النهاية مصالح قوى دولية كبرى أكثر مما تخدم مصالح شعوب المنطقة.
وأشار إلى أن مصر تبنت في هذه الأزمة نهج "الحياد الإيجابي"، وهو نهج يقوم على دعم الاستقرار الإقليمي والعمل على احتواء التصعيد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المصالح الاستراتيجية العربية وتجنب الانجرار إلى صراعات قد تؤدي إلى تفجير الأوضاع في المنطقة.
كما شدد على أن هذه التطورات تفرض على الدول العربية ضرورة التعامل مع المرحلة الراهنة بمنطق استراتيجي بعيد المدى، مؤكدًا أن العالم العربي بحاجة إلى بلورة رؤية سياسية متماسكة قادرة على حماية مصالحه في ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط.
ودعا إلى تفعيل دور المؤسسات العربية المشتركة، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية، بحيث تتحول إلى منصة فاعلة لصياغة سياسات واستراتيجيات عربية قادرة على التعامل مع التحديات الإقليمية المتصاعدة.
وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن شعوب الشرق الأوسط تظل الخاسر الأكبر من استمرار الصراعات الجيوسياسية في المنطقة، سواء كان ذلك في إيران أو في العالم العربي، داعيًا إلى تبني مقاربة إقليمية جديدة تقوم على الحوار والتوازن الاستراتيجي بدلًا من منطق الحروب المفتوحة، التي لا تؤدي في النهاية إلا إلى مزيد من الدمار والاستنزاف.