أوروبا الحائرة بين إرضاء ترامب وتجنب التصعيد.. هل تتورط فى الحرب ؟!

أوروبا الحائرة بين إرضاء ترامب وتجنب التصعيد.. هل تتورط فى الحرب ؟!ترامب

معادلة معقدة تواجهها أوروبا خلال الحرب الأمريكية- الإسرائيلية الحالية على إيران حيث تجد الدول الأوروبية نفسها أمام اختيار صعب بين المحافظة على تحالفها مع الولايات المتحدة وعدم إغضاب الرئيس ترامب من جهة، وبين محاولتها تجنب الدخول فى صراع إقليمى واسع تبدو فيه عاجزة حتى عن صياغة موقف موحد تجاه التطورات العسكرية التى تتسارع فى المنطقة والتى لم تعد بعيدة عن القارة الأوروبية من جهة أخرى، خاصة بعد وصول بعض الهجمات إلى مواقع مرتبطة بدول أوروبية، ما أثار التساؤلات حول قدرة الاتحاد الأوروبى على الاستمرار فى الوقوف على هامش الأزمة.

كانت الترويكا الأوروبية توافقت على اعتبار الهجوم الأمريكى - الإسرائيلى مخالفاً للقانون الدولى، لكنها ألقت على كاهل طهران مسئولية الوصول إلى هذه الحرب كأنها تحاول تجنُّب إغضاب البيت الأبيض لتضمن استمرارية حضوره فى ملف السلام فى أوكرانيا.

وأصدرت الدول الثلاثة الكبرى فى القارة، فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، بيانا مشتركا حذرت فيه إيران من استعدادها لاتخاذ «إجراءات دفاعية» لتدمير قدرتها على إطلاق الصواريخ والطائرات المُسيّرة ما لم تُوقف طهران هجماتها العشوائية.

من جهتها، وافقت لندن على طلب أمريكى باستخدام قاعدتين عسكريتين بريطانيتين لشنّ ضربات وصفت بالـ»دفاعية» على مواقع الصواريخ الإيرانية، وذلك بعد أن شهدت العلاقات بين لندن وواشنطن توتراً إثر رفض رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر المشاركة فى الضربة الافتتاحية ضد إيران .

ودافع ستارمر عن موقفه أمام البرلمان، مؤكدًا أن أى تدخل عسكرى يجب أن يستند إلى أساس قانونى وخطة واضحة، واستحضر تجربة العراق وأخطاء حكومة تونى بلير.

لكن مع تصاعد الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربى، عدّل ستارمر موقفه وسمح باستخدام القواعد البريطانية لأغراض الدفاع الجماعى عن النفس، معتبراً أن استهداف مواقع الصواريخ الإيرانية بات ضرورياً لوقف التهديد.

أما فرنسا، فقد اتخذت موقفاً أكثر حذراً، إذ سمحت باريس بهبوط مؤقت للطائرات الأمريكية فى بعض القواعد العسكرية الفرنسية، لكنها حصلت على ضمانات بأن هذه الطائرات لن تستخدم لشن هجمات على إيران، بل ستقتصر مهمتها على دعم الدفاع عن شركاء المنطقة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» عن مسئول فرنسى.

وفى إيطاليا ، أعلنت رئيسة الوزراء جورجيا ميلونى، أن روما لم تتلق حتى الآن طلباً من الولايات المتحدة لاستخدام قواعدها العسكرية، لكنها أشارت إلى أن بلادها قد تقدم أنظمة دفاع جوى لدول الخليج فى حال تصاعدت التهديدات.

وبالنسبة لألمانيا، فقد حظى المستشار فريدريش ميرتس، بإشادة من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب خلال زيارته للبيت الأبيض إزاء دعمه لهدف إسقاط ما وصفه بـ»النظام الرهيب» فى إيران، وبسماحه للقوات الأمريكية باستخدام قاعدة رامشتاين الجوية فى ألمانيا.

فى المقابل، رفضت إسبانيا تقديم أي تسهيلات أو وضع قواعدها تحت تصرف الولايات المتحدة، ووصل الأمر بالرئيس الأمريكى لتهديد مدريد بمقاطعة تجارية.

ووصف رئيس مركز الاستشراف والأمن فى أوروبا إيمانويل ديبوى، المواقف الأوروبية بأنها «متباينة إلى حد كبير». ففى ألمانيا، أعلن المستشار فريدريش ميرتس استعداده للمشاركة فى عملية عسكرية إذا طلب منه الرئيس الأمريكى، وذلك رغم صعوبة اتخاذ قرار بشأن هذه المهمة، لأنه يجب أولا الحصول على تصويت فى البرلمان الألمانى (البوندستاج) ومجلسيه.

فى المقابل، ترفض بعض الدول رفضا قاطعا دخول الحرب، بل تفرض شروطا، أو ما يُسمى بالحصار، لا سيما إسبانيا التى صرحت بأنها لن تسمح باستخدام قواعدها العسكرية.

وقال كورنيليوس أديبار من «الجمعية الألمانية للسياسة الخارجية» إن دول الاتحاد الأوروبى، إلى جانب بريطانيا، متفقة على اتخاذ إجراءات دفاعية إذا تعرضت أى دولة أوروبية لهجوم، كما أنها مستعدة لدعم دول الخليج عند الحاجة.

ويضيف أن الانقسام داخل أوروبا يتمحور حول أهداف الحرب التى أعلنها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وكذلك حول حجم الدعم الذى ينبغى تقديمه للعمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران.
وتابع أديبار، أنه من غير المتوقع ظهور موقف أوروبى موحد تجاه الحرب، مشيراً إلى أن أياً من الدول الأوروبية لا يعتزم الانخراط مباشرة فى العمليات العسكرية إلى جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل. وقال أديبار: «هناك شعور سائد: هذه ليست حربنا، لدينا أوكرانيا لنعتنى بها».
ويرى الباحث أنطونيو جيوستوتسى، من معهد «روسى» للدراسات الأمنية فى لندن، أن السماح باستخدام القواعد الأوروبية بشكل محدود يمثل نوعاً من التسوية تحت ضغط أمريكى للقيام بخطوة ما دون الانخراط المباشر فى الحرب.

وبصفة عامة، يرى خبراء، أن أوروبا تميل حالياً إلى تبنى استراتيجية دفاعية تركز على حماية أراضيها وحلفائها بدلاً من الانخراط العسكرى المباشر فى الحرب بينما تسعى طهران، حسب قولهم، إلى توسيع نطاق المواجهة إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط. وفى هذا السياق، قال الباحث تريتا بارسى من معهد «كوينسى» فى واشنطن، إن إيران تدرك أن استهداف قاعدة بريطانية فى قبرص يعنى عملياً مهاجمة أراضٍ تابعة لدولة عضو فى الاتحاد الأوروبى .

ويرى بارسى، أن إيران تبدو مصممة على توسيع نطاق الحرب إلى ما يتجاوز دول الخليج، مشيراً إلى هجوم استهدف قاعدة فرنسية فى دولة الإمارات العربية المتحدة. واعتبر أن طهران قد ترى أن إنهاء الحرب يتطلب أن «تدفع أوروبا أيضاً ثمناً».

فى ظل هذه المعطيات، يجد الاتحاد الأوروبى نفسه أمام معادلة معقدة: ف الحرب التى تدور بعيداً عن حدوده قد تتحول بسرعة إلى أزمة تمس أمنه واقتصاده واستقراره السياسى، خاصة فى ظل سعى الولايات المتحدة وإسرائيل لانضمام أوروبا إلى الجهود العسكرية.

وذكر محللون، أنه بينما اقتصرت المشاركات الأوروبية فى الحرب ضد إيران على السياقات الثلاثة التى تندرج كلها تحت خانة «الدفاع المشروع»، إما عن النفس أو عن الحلفاء أو عن المصالح، لكن الأمور قد لا تبقى عند هذا الحد؛ فالأوروبيون قد يجدون أنفسهم مدفوعين إلى الصراع، بسبب التطورات التى تطرأ فى الحروب، و الحرب على إيران لا تشذ عن هذه القاعدة.

ويعتقد بعض الخبراء، أن الخطر الذى يهدد أوروبا قد يتفاقم إذا شاركت بنشاط فى صراع مع إيران. وقال الخبير جوستوزى من معهد روسى، إذا انخرط الأوروبيون فى هذا الصراع، فقد يشكل ذلك تهديدا. وهذا ما يثير قلق بريطانيا وفرنسا، حيث تركز معظم الدول الأوروبية بشكل أكبر على أوكرانيا، وعلى التداعيات الاقتصادية للعلاقات المتوترة عبر الأطلسى.

من جانبها، صرحت مسئولة السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى، كايا كالاس، بأن الحرب فى إيران تضر بأوكرانيا، إذ يتم تحويل المعدات العسكرية، كأنظمة الدفاع الجوى، التى كانت ضرورية فى الحرب ضد روسيا، إلى الشرق الأوسط. كما حذرت من أن ارتفاع أسعار النفط وانخفاض إنتاج دول الخليج قد يساعد روسيا فى إيجاد مشترين إضافيين لنفطها. وهذا بدوره سيزيد من موارد روسيا الحربية، ويمول هجماتها على أوكرانيا، ويرفع مستوى التأهب فى أوروبا.

ومن المرجح أن يركز الاتحاد الأوروبى على تعزيز الإجراءات الدفاعية والاحترازية، خصوصا فى مناطق شرق البحر المتوسط والخليج. وقد يشمل ذلك تكثيف الوجود البحرى الأوروبى، وتعزيز أنظمة الدفاع الجوى، وتوسيع التعاون الاستخباراتى مع الشركاء الإقليميين. ويهدف هذا التوجه إلى حماية المصالح الأوروبية وردع أى تهديد محتمل دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان