وضع استمرار الحرب في الشرق الأوسط سوق سندات الخزانة الأمريكية على حافة الهاوية، وهو ما كشف عنه خبراء أسواق المال، وأكدته تقارير لوسائل إعلام عالمية، وتحليلات كبار مسئولى صناديق الاستثمار الأمريكية، التى رصدت ارتدادات سلبية شديدة الخطورة للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ، على سوق السندات الأمريكية، وأظهرت ارتفاع احتمالات انهيار السوق الأمريكية إلى 35% بسبب هذه الحرب، نتيجة التداعيات شديدة الخطورة، التي من أبرزها توجه أكبر مديري الأصول في العالم نحو إعادة تقييم افتراضاتهم واستراتيجياتهم الاستثمارية في السوق الأمريكية بالتزامن مع حركات موسعة نحو تسييل السندات والاحتفاظ بمبالغ نقدية تحسبا لاضطرابات.
وفى سياق هذه التوترات التى تفرضها المستجدات فى الشرق الأوسط ، حذرت التقارير وتحليلات الخبراء من تزايد الخطر، الذى يواجهه سوق الأسهم و السندات الأمريكية مع تصاعد الحرب فى إيران، خاصة مع بدء تحرك دول الخليج نحو دراسة الخيارات المتاحة، لإعادة النظر فى استثماراتها الخارجية، التى تعد من أكبر الاستثمارات فى سوق السندات الأمريكية ما يزيد من حالة انعدام اليقين وتراجع الثقة فى سوق السندات الأمريكية.
تغير استراتيجيات سوق السندات
وفقا لعدد من التقارير، أعدتها شبكة الإعلام الأمريكية "بلومبيرج" مع تزايد المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعى فى الأسواق، وهزات الائتمان الخاص التى أطلقت ناقوس الخطر، عدل خبراء أسواق المال ومسئولو صناديق السندات توقعاتهم لسوق السندات الأمريكية، خاصة الديون السيادية من "إيجابي" إلى "مهدد بمخاطر جسيمة" على الاستثمار فى سوق السندات الأمريكية، ذلك فى ضوء تداعيات الحرب على إيران.
ولافت التقارير إلى أن السوق الأمريكية تشهد تحركات كبيرة نحو خفض الائتمان المؤسسى وزيادة الحيازات النقدية التى يمكن بيعها بسرعة للاستفادة من أى اضطرابات، مع الاستمرار فى تفضيل سندات الخزانة متوسطة الأجل.
وبحسب تحليلات خبراء أسواق المال لوسائل الإعلام الأمريكية نقلا عن شبكة "بلومبيرج"، فإن اندلاع الحرب فى الشرق الأوسط، يفرض مخاوف إضافية على السوق الأمريكية، لافتة الى أن الهجوم الأمريكى الإسرائيلى على إيران هز ثقة المستثمرين فى سندات الخزانة الأمريكية كملاذ آمن.
وأضافت التقارير، أنه بدلاً من أن تكون ملاذاً آمناً، تأثرت سندات الحكومة الأمريكية بارتفاع أسعار النفط الخام، بشكل حاد، مع تصدّر مخاوف التضخم فى وقتٍ تتجاوز فيه الأسعار بالفعل ما ترغب به البنوك المركزية.
وقال خبراء أسواق المال: "هذا هو نوع التوتر الذى شهدناه فى الأسواق خلال الأيام القليلة الماضية".
وأضاف تقرير أوردته شبكة الإعلام الأمريكية، أن انخفاضاً مفاجئاً فى الوظائف الأمريكية يشكل عاملاً آخر أدى إلى زيادة حدة المخاوف فى سوق السندات الأمريكية وأثار شبح الركود التضخمي.
وشدد التقرير، على أنه مع استمرار الأعمال العدائية فى الشرق الأوسط، تبقى الخسائر البشرية والتداعيات الجيوسياسية للحرب مصدر قلق بالغ، لافتا إلى أنه بالنسبة للمستثمرين فى سوق السندات الأمريكية البالغ حجمه 31 تريليون دولار، فقد زاد الصراع أيضاً من تعقيد صفقةٍ مصيرية لعام 2026 بدت واعدة. ببساطة: جمع فوائد بنسبة 4% تقريبًا وانتظار عودة مجلس الاحتياطى الفيدرالي، برئاسة رئيسه الجديد أدى إلى خفض أسعار الفائدة. ورغم نجاح هذه الاستراتيجية، إلا أن المخاطر تتزايد، مع ازدياد التحديات التى يجب التعامل معها.
تداعيات شديدة الخطورة
التحليلات التى أوردتها شبكة الإعلام الأمريكية، أشارت إلى أن هذا الصراع المتصاعد أجبر بعضًا من أكبر مديرى الأصول فى العالم على إعادة تقييم افتراضاتهم واستراتيجياتهم الاستثمارية، ويواجه المستثمرون الآن خطر تكرار ارتفاع أسعار النفط لما حدث سابقًا، مما قد يؤدى إلى ضربة مزدوجة تتمثل فى التضخم - آفة السندات - يتبعها تراجع فى النمو.
ووفقا لشبكة الإعلام الأمريكية، قال "بهانو باويجا"، كبير الاستراتيجيين فى بنك "يو بى إس": "يفكر السوق فى التضخم، وهذه خطوة خطيرة فى أسعار النفط، إذا استمرت مشكلة النفط، فستتحول إلى مشكلة نمو".
وأضاف، أنه مع ثبات التضخم فوق هدف الاحتياطى الفيدرالى البالغ 2%، كان المتداولون يخفضون توقعاتهم لخفض أسعار الفائدة هذا العام حتى قبل بدء الصراع، بينما يراهنون على تيسير نقدى أكبر فى عام 2027 فى حال حدوث تباطؤ اقتصادي، إلا أن الحرب المتصاعدة وتهديد انقطاعات الطاقة دفع بعض المتداولين إلى المراهنة على عدم خفض أسعار الفائدة إطلاقاً فى عام 2026، على الرغم من أن تقرير التوظيف الصادر مؤخرًا أعاد التوقعات إلى ترجيح خفضها بمقدار ربع نقطة مئوية مرتين هذا العام.
وشدد على أنه إلى حين التوصل إلى وقف لإطلاق النار، من المرجح أن يظل سوق سندات الخزانة ممزقاً بين مخاوف التضخم على المدى القريب وخطر التباطؤ الاقتصادى لاحقاً هذا العام، والنتيجة هى توقعات شديدة الغموض، حيث يوازن السوق بين النمو والتضخم، قد أبقى هذا التجاذب عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات - المعيار العالمى لتكاليف الاقتراض - ضمن نطاق ضيق يتراوح بين 4% و4.5% تقريباً لأكثر من عام.
فى السياق ذاته، "صرح جيفرى روزنبرج"، خبير أسواق المال، لتليفزيون "بلومبيرج": "هناك توتر بين ضعف سوق العمل والارتفاع التضخمى قصير الأجل الناتج عن ارتفاع أسعار النفط. كلما طالت فترة ارتفاع أسعار النفط أو اشتدت، انخفض الطلب، ما يجعل سوق سندات الخزانة على حافة الهاوية".
زيادة عجز الميزانية
إذا طالت الحرب، فإن تكاليفها ستزيد من عجز الميزانية الأمريكية، الذى يُعدّ مصدر قلقٍ بالفعل لمستثمرى السندات، إذ قد يؤدى ذلك إلى إصدار المزيد من سندات الخزانة، هذا ما "أكده كيفن فلانجان"، خبير استراتيجيات الاستثمار لشبكة "بلومبيرج".
بينما يقول "إيان لينجن"، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأمريكية فى بنك "مونتريال كابيتال ماركتس": "النزاعات المسلحة مكلفة، وكلما طالت مدة العمليات، ازدادت المخاوف بشأن قدرة وزارة الخزانة على تمويلها دون الحاجة فى نهاية المطاف إلى زيادة حجم المزادات".
ارتفاع احتمالات انهيار السوق
وفقا لسلسلة التقارير والتحليلات التى أوردتها شبكة "بلومبيرج"، حذر خبراء ومختصون مخضرمون، من أن سوق الأسهم الأمريكية يواجه خطرًا متزايدًا يتمثل فى احتمالات ارتفاع انهيار السوق الأمريكية من 20% فى وقت سابق هذا العام إلى 35% بسبب الحرب مع إيران، وانخفاض حاد هذا العام فى سوق السندات، حيث يؤثر تصاعد الحرب على إيران سلبًا على الأسواق العالمية، وفقًا لخبراء استراتيجيين، عدلوا توقعاتهم لسوق السندات نتيجة لتداعيات الحرب.
وأرجع الخبراء، السبب فى هذا التغيير إلى ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار أمريكى للبرميل، واستعداد المستثمرين لصراع مطوّل فى الشرق الأوسط قد يؤدى إلى ارتفاع تكاليف الطاقة بشكل أكبر، وقد تراجعت بالفعل توقعات خفض أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطى الفيدرالي، حيث يتقبّل المستثمرون احتمالية تباطؤ النمو وارتفاع التضخم فى الوقت نفسه، وبحسب الخبراء: "يواجه الاقتصاد الأمريكى وسوق الأسهم وضعًا صعبًا للغاية حاليًا، وكذلك الاحتياطى الفيدرالي، فإذا استمرت أزمة النفط، سيجد الاحتياطى الفيدرالى نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: خطر التضخم المتزايد وارتفاع معدلات البطالة."
دول الخليج تُعيد النظر
الضغوط على ميزانيات دول الخليج العربى قد تدفع إلى إعادة النظر فى استثماراتها الخارجية والتزاماتها المستقبلية، حيث تدرس الخيارات المتاحة لتخفيف الضغوط المالية الناجمة عن الحرب مع إيران. هذا ما أكدته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، لافتة إلى أن ثلاثة اقتصادات رائدة فى الشرق الأوسط تدرس خياراتها فى ظل استمرار الحملة الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران، وهو ما ينعكس سلبا على سوق السندات الأمريكية نظرًا لأن دول الخليج تعد من أكبر المستثمرين فى السندات الأمريكية.
وحسب الصحيفة البريطانية، قال مسئول خليجي، إن ذلك قد يؤثر على جوانب عديدة، بدءًا من تعهدات الاستثمار المقدمة لدول أو شركات أجنبية، مرورًا برعاية الفعاليات الرياضية، والعقود المبرمة مع الشركات والمستثمرين، وصولًا إلى بيع الحصص.
وأوضح المسئول الخليجى، أن ثلاثًا من أكبر أربع اقتصادات خليجية - السعودية، والإمارات، والكويت، وقطر - ناقشت بشكل مشترك الضغوط التى تواجه ميزانياتها واقتصاداتها، لكنه امتنع عن ذكر أسماء الدول الثلاث من بين هذه الدول.
وأضاف، "بدأت عدة دول خليجية مراجعة داخلية لتحديد إمكانية تفعيل بنود القوة القاهرة فى العقود الحالية، إلى جانب مراجعة التزامات الاستثمار الحالية والمستقبلية، بهدف تخفيف بعض الأعباء الاقتصادية المتوقعة جراء الحرب الحالية"، "خاصةً إذا استمرت الحرب والنفقات المرتبطة بها بنفس الوتيرة".
وأوضح، أن هذه الخطوة تشكل إجراءً احترازيا ناتج عن "الضغوط المالية التى تواجهها هذه الدول بسبب انخفاض عائدات الطاقة، نتيجة تباطؤ الإنتاج أو عدم القدرة على الشحن، وكذلك عائدات قطاعى السياحة والطيران، بالإضافة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي".
وقال مستشار لحكومة خليجية، إن احتمال مراجعة الاستثمارات من قبل الدول الغنية لفت انتباه البيت الأبيض، فهى تدير بعضًا من أكبر وأنشط صناديق الثروة السيادية فى العالم، وقد تعهدت السعودية والإمارات وقطر العام الماضى باستثمار مئات المليارات من الدولارات فى الولايات المتحدة بعد زيارة الرئيس دونالد ترامب للمنطقة، كما أنها من كبار الداعمين للأحداث الرياضية حول العالم، وتستثمر جميعها بكثافة محليًا لتنمية بلدانها وتنويع اقتصاداتها.
وحسب "فايننشال تايمز"، فإن أية خطوة تؤثر على الاستثمارات فى الولايات المتحدة أو غيرها من الدول الغربية قد تزيد الضغط على ترامب للبحث عن استراتيجية دبلوماسية لإنهاء الحرب.
وتعقيبا على ما كشفت عنه الصحيفة البريطانية، ذكرت وكالة الأنباء الأمريكية العالمية "رويترز"، أن دول الخليج قد تبدأ فى مراجعة استثماراتها الخارجية والتزاماتها المستقبلية، فى إطار دراستها لخيارات تخفيف الضغط على ميزانياتها فى أعقاب الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، استند صعود الخليج على فرضيتين أساسيتين: أن مدته سريعة النمو توفر ملاذًا آمنًا فى منطقة غير مستقرة، وأن الثروات الهائلة الناتجة عن صادرات الطاقة سوف تستمر فى التدفق دون انقطاع، وقد زعزعت الأحداث الأخيرة هاتين الركيزتين فى آن واحد.