لجنة مركزية بمجلس الوزراء لإدارة الأزمة .. حزمة إجراءات لمواجهة تداعيات حرب إيران

لجنة مركزية بمجلس الوزراء لإدارة الأزمة .. حزمة إجراءات لمواجهة تداعيات حرب إيرانمدبولي

مازالت الحروب والأزمات المتتالية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط تلقي بظلالها علي الأسواق المحلية والعالمية وخاصة فيما يتعلق بأسعار الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، وهو ما يفرض علي الحكومات تبني سياسات أكثر انضباطًا ومرونة في إدارة الموارد العامة، وفور نشوب الحرب الأخيرة علي إيران ، تم تشكيل لجنة مركزية لإدارة الأزمة برئاسة الدكتور مصطفي مدبولي رئيس مجلس الوزراء، لضمان تقدير الموقف لحظياً، وبالفعل عقدت اللجنة اجتماعين متتاليين لمراجعة الموقف بكافة أبعاده.

وأقرت اللجنة حزمة من الإجراءات الحكومية لترشيد الإنفاق وترشيد الاستهلاك، ومنها: إلغاء الفعاليات الحكومية، وخفض السفريات الرسمية، وتقليص الدورات التدريبية، وتنفيذ خطة تستهدف حوكمة منظومة إنارة الطرق وإضاءة اللوحات الإعلانية، ومراجعة استهلاك الوقود في مختلف القطاعات، وتسريع تشغيل وسائل النقل الجماعي، والتوسع في برامج تحويل المركبات للعمل بالغاز الطبيعي، والتوسع في استخدام المركبات الكهربائية، والعمل علي خفض حجم الواردات من السلع تامة الصنع غير الأساسية.

الإجراءات الحكومية تضمنت أيضاً العمل علي زيادة وتنويع موارد النقد الأجنبي ، والسعي لجذب وتحفيز مزيد من القطاعات التي توفر النقد الأجنبي ، والإسراع بمعدلات تنفيذ مختلف الخطوات المتعلقة ببرنامج الطروحات الحكومية، بجانب دعم القطاعات المتأثرة بالحرب مثل السياحة والبترول.

القطاعات المتأثرة

تناول الاجتماع تداعيات الحرب الجارية بالمنطقة الآن علي عددٍ من القطاعات، ومنها قطاع السياحة، وقطاع البترول، والتأكيد علي أهمية دعم تلك القطاعات المتأثرة، والحفاظ علي انتظام سداد مستحقات شركات البترول العالمية للتحفيز نحو زيادة الاستكشافات والإنتاج.

إغلاق الحقول

وعرض وزير البترول ، خلال الاجتماع، تقريرا بشأن الارتفاعات الكبيرة في أسعار المنتجات البترولية والغاز، خلال الساعات الأخيرة، وكذا ارتفاع تكلفة النقل، وما تم الإعلان عنه من إغلاق عدد من الحقول، نتيجة تصاعد الأحداث بالمنطقة، مستعرضا ما يتم اتخاذه من إجراءات لتوفير مختلف المواد البترولية للقطاعات الإنتاجية ولمحطات توليد الكهرباء، وللاستخدامات المختلفة.

ظروف استثنائية

في ظل هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً، قررت وزارة البترول تعديل أسعار بعض المنتجات البترولية وغاز تموين السيارات، بسبب الاضطرابات في سلاسل الإمداد، وارتفاع مستويات المخاطر، وزيادة تكاليف الشحن البحري والتأمين، عن قفزة كبيرة في أسعار البترول الخام والمنتجات البترولية عالميًا ، وهي مستويات لم تشهدها أسواق الطاقة منذ سنوات.

ضرورة حتمية

الدكتور مصطفي مدبولي رئيس الوزراء، أكد أن اتخاذ القرار كان ضرورة حتمية لضمان توافر الإمدادات اللازمة لتلبية احتياجات قطاعات الكهرباء والطاقة والصناعة، فضلاً عن الاستهلاك المنزلي، مع الحرص التام علي تلافي أية تأثيرات سلبية علي إمدادات الطاقة والغاز، بما يحفظ استقرار الاقتصاد المصري؛ مضيفاً أن مطالب أصحاب المصانع والمستثمرين تركزت في ضرورة استمرار دوران عجلة الإنتاج وعدم توقفها، انطلاقاً من أن أي توقف سيؤدي إلي أضرار جسيمة تعيق مسيرة التعافي الاقتصادي واستعادة الدولة لمكانتها الاقتصادية المنشودة.

إجراءات استباقية

وأوضح رئيس الوزراء، أن الدولة المصرية كانت أمام خيارين للمفاضلة بينهما: الأول، يتمثل في الاكتفاء بالتحليل النظري للمستجدات الإقليمية وإدراك خطورتها دون القدرة علي حسم مداها الزمني، مع محاولة الإبقاء علي الأسعار دون تغيير، وهو مسار كان سيُكبد الخزانة العامة للدولة خسائر فادحة جراء تحملها كامل التكاليف بمفردها.

أما الخيار الثاني —وهو الذي انحازت إليه الحكومة— فكان اتخاذ إجراءات استباقية ومدروسة تضمن استمرارية الدورة الاقتصادية والعملية الإنتاجية، مع التزام الدولة بتحمل الجانب الأكبر من تكاليف الزيادات الناتجة عن الارتفاع العالمي في أسعار الوقود، وتخفيف العبء عن كاهل المواطن والقطاعات الإنتاجية بقدر الإمكان.

وأشار رئيس الوزراء، إلي أننا نشهد حالياً ظرفاً استثنائياً يعاني من تداعياته مختلف دول العالم، والتي اتخذت بدورها تدابير متباينة للتعامل مع هذه الآثار؛ مؤكداً أنه بمجرد انتهاء هذا الظرف الاستثنائي وانحسار تداعياته، ستتم مراجعة كافة الإجراءات والقرارات الاستثنائية المتخذة والمدي الزمني لتطبيقها، مع الأخذ في الاعتبار أن انحسار آثار مثل هذه الظروف قد يستغرق بعض الوقت حتي بعد انتهائها رسمياً.

الحزمة الاجتماعية

وفي هذا الصدد، نوه الدكتور مصطفي مدبولي إلي الحزمة الاجتماعية التي أعلن عنها مؤخراً، والتي تضمنت إتاحة مبلغ 400 جنيه يستفيد منه نحو 15 مليون أسرة من الأسر الأكثر احتياجاً، سواء من المستفيدين من منظومة السلع التموينية أو برنامج «تكافل وكرامة»؛ موضحاً أن هذا الدعم كان مقرراً خلال شهري رمضان وعيد الفطر المبارك، إلا أنه تم التوافق علي مد صرف هذا المبلغ لشهرين إضافيين حتي عيد الأضحي المبارك لهذه الأسر.

منع التلاعب بالأسواق

وأوضح الدكتور مصطفي مدبولي في سياق حديثه قائلاً: «سيتم عرض الموازنة العامة للدولة علي الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئيس الجمهورية خلال الأيام القليلة القادمة، والتي ستتضمن الإعلان عن زيادات في الأجور؛ وبالتوازي مع ذلك، هناك تشديد تام في الرقابة علي الأسواق؛ فقد صدرت توجيهات حاسمة للوزراء المعنيين، وبدأت الحكومة بالفعل في اتخاذ الإجراءات التنفيذية لتوجيهات رئيس الجمهورية، بأنه في حال ثبوت أية محاولات للتلاعب، أو احتكار السلع، أو إخفائها، ستتخذ الدولة كافة الإجراءات القانونية الرادعة بما فيها الإحالة إلي النيابة العسكرية؛ فالدولة لن تسمح بأي شكل من أشكال التلاعب أو الاستغلال أو تحقيق أرباح غير مشروعة، لاسيما في ظل هذه الظروف والأزمة الاستثنائية الراهنة.

وقال رئيس الوزراء: أطمئن الجميع بتوافر النقد الأجنبي اللازم لتلبية كافة احتياجات الدولة خلال الفترة الراهنة والمقبلة؛ فنحن نواجه هذه الأزمة من موقف أقوي بكثير مقارنة بأزمات سابقة تعرضت لها الدولة. ويظل هدفنا الأسمي هو استمرار منظومة الاقتصاد بكامل طاقتها وعجلة دورانها؛ بما يضمن تحقيق معدلات النمو المستهدفة للاقتصاد المصري.

وفي سياق حديثه، أكد رئيس مجلس الوزراء أن الدولة تعي تماماً حجم الضغوط التي تواجهها اليوم، في ظل الظروف الراهنة التي يشهدها العالم أجمع؛ مناشدا المواطن المصري أن يلتمس العذر للحكومة، قائلاً: قد نضطر في بعض الأحيان لاتخاذ إجراءات لم تكن لدينا نية مسبقة لاتخاذها، ولكن تُجبرنا الظروف والأوضاع الراهنة علي ذلك؛ حيث لم يكن أمامنا بديل آخر؛ لذا نتحمل جزءاً من هذا العبء ويتحمل معنا المواطن جزءاً آخر، ونأمل أن تنتهي هذه الظروف في أقرب وقت، لنعود ونستكمل المسيرة التي كنا ننتهجها والتي كان لها نتائج إيجابية.

مصدات اقتصادية

في هذا السياق، قال أستاذ الاقتصاد السياسي الدكتور عمرو صالح، إن الحكومة اتخذت هذه الإجراءات قبل الأزمة خلال الاجتماع الذي عقده رئيس الوزراء مع المجموعة الاقتصادية ومحافظ البنك المركزي، وتم التأكيد علي توافر مخزون استراتيجي من السلع يكفي لـ6 أشهر حتي سنة، مؤكدا أنها كانت إجراءات استباقية للأزمة.

وأضاف أن الرئيس حذر من تأثر سلاسل الإمداد والتموين وأسعار النقل والسلع الغذائية بسبب ارتفاع أسعار النفط، وتحدث عن فترة صعبة، ومنها قناة السويس والتي بدأت بعض الشركات الكبري تتحول عن القناة علي الرغم أنها كانت تتعافي مؤخرا من الأزمة وبدأت التجارة الدولية تعود إليها من جديد، مبيناً في الوقت نفسه أن الدولة المصرية أصبح لديها مصدات، منذ أزمة كوفيد 19، وكنا من ضمن 18 دولة حول العالم التي حققت نمو إيجابي، وكذلك الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها علي سلاسل التوريد.

وأضاف صالح، أن قرار الحكومة بترشيد الإنفاق خاصة القطاعات التي تستهلك الطاقة في المؤسسات العامة هو قرار في غاية الأهمية، وليس المقصود هنا ترشيد في الأجور، وإنما المقصود هو ترشيد الإنفاق الاستثماري مثل شراء السيارات والمعدات والأدوات مثل الأدوات المكتبية وكل ما هو غير ضروري ويرشد الإنفاق، أو علي الأقل تقليلها أو تأجيلها خلال تلك الفترة التي تمر بها المنطقة.

تحديات كبيرة

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي أحمد معطي، إن الحكومة المصرية مثل أي حكومة في العالم ليس أمامها إلا طريق واحد، وهو تلك الإجراءات لمواجهة الأزمة الطارئة، خاصة وأن حجم التحديات علي مصر كبيرة جدا، بدءاً من تأثر قناة السويس، والكثافة السكانية الضخمة والتي تكاد تكون الأكبر في المنطقة، فضلا عن تواجد الضيوف سواء السودانيين والفلسطينيين والسوريين واليمنيين الذين يحصلون علي كل السلع المدعومة مثلهم مثل المواطنين سواء سلع غذائية من سكر ودقيق، وبنزين وغاز، بالإضافة إلي السكن، فمصر تتميز بانخفاض أسعار السكن مقارنة بالدول المجاورة، قائلاً: «الحقيقة مصر مثقلة»، وكل هذه الأمور تضغط علي ميزانية الدولة، خاصة وأن الميزانية تحدد سعر النفط مقابل 60 دولارا للبرميل في 2026، ونفترض أن سعر البرميل 90 دولارا وليس 120 كما هو متداول، فهناك ما يقرب من 30 دولارا في البرميل الواحد، فمن يتحمل هذا الفرق الكبير.

وحول إجراءات الحكومة لترشيد الإنفاق، أشار الخبير الاقتصادي أحمد معطي، إلي أن الحكومة المصرية ليست حكومة غنية مقارنة بحكومات الدول المجاورة مثل دبي وقطر والسعودية، ولكن هناك بعض الإجراءات التي لا يمكن الترشيد فيها مثل مراسم استقبال الضيوف وغيرها فهذه تمثل الدولة المصرية.

واختتم حديثه بأن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية هي إجراءات ضرورية وطارئة ولكنها ليست طويلة في الوقت نفسه، مشيرا إلي أن الحرب لن تتعدي الشهر.
مواجهة تداعيات الحرب

إلي ذلك، قال الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم مصطفي إن إجراءات ترشيد الإنفاق والاستهلاك تمثل خطوة استباقية مهمة لمواجهة تداعيات الحرب الحالية، في ظل صعوبة التنبؤ بموعد انتهائها، مشيراً إلي أن هذه الإجراءات ضرورية لتقليل المخاطر الاقتصادية المحتملة ومنع تفاقمها خلال الفترة المقبلة.

وأوضح أن ترشيد الإنفاق ينبغي أن يكون أولوية لدي جميع مؤسسات الدولة، خاصة مع احتمالات استمرار الحرب لفترة أطول، وما قد يرافق ذلك من ضغوط اقتصادية إضافية، أبرزها ارتفاع أسعار النفط وتأثيره المباشر علي مخصصات دعم الطاقة في الموازنة العامة، إضافة إلي انعكاساته علي أسعار السلع والخدمات.

وأشار د. مصطفي إلي أن طبيعة المرحلة الراهنة وما تشهده من توترات تفرض علي الحكومة اتخاذ إجراءات وقائية سريعة لحماية لاقتصاد الوطني وتقليل آثار الأزمات الخارجية. كما أكد أن ترشيد الواردات يمثل عنصراً أساسياً في هذه المرحلة، في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر علي حركة التجارة العالمية وتدفقات الصادرات والواردات خلال الفترة المقبلة.

برنامج الطروحات الحكومية

وأضاف أن قرارات ترشيد استهلاك الكهرباء والطاقة، إلي جانب تسريع تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، وتقليص الفعاليات والدورات التدريبية وبعض أوجه الإنفاق غير الضرورية، تهدف في المقام الأول إلي تخفيف الضغط علي احتياطيات النقد الأجنبي.

إجراءات ذات طابع احترازي ودفاعي

وأوضح أن هذه الإجراءات ذات طابع احترازي ودفاعي، وتركز علي الحد من تأثير الصدمات الاقتصادية والحفاظ علي استقرار الاقتصاد قدر الإمكان في ظل الظروف العالمية الراهنة.

كما دعا إلي التوسع في دعم المشروعات الإنتاجية القادرة علي إحلال الواردات بمنتجات محلية، بما يسهم في تقليل الاعتماد علي الاستيراد ويخفف الضغط علي العملة الأجنبية. واقترح كذلك إعادة تقييم بعض المشروعات الجديدة التي لم يبدأ تنفيذها بعد، وتأجيلها مؤقتاً لحين اتضاح الرؤية بشأن التطورات الإقليمية والاقتصادية.

وأشار إلي أهمية العمل علي تسهيل إجراءات جذب السياحة، خاصة فيما يتعلق بتبسيط إصدار التأشيرات وتقليل الإجراءات البيروقراطية، نظراً لكون القطاع السياحي أحد أسرع مصادر تدفق العملة الأجنبية.

كما شدد علي ضرورة تسريع التحول الرقمي لتسهيل تحويلات المصريين في الخارج بشكل مباشر وسريع إلي حساباتهم أو محافظهم الإلكترونية داخل البلاد، بما يعزز القنوات الرسمية للتحويلات المالية.

وفي ختام حديثه، أكد مصطفي أهمية تحسين مناخ الاستثمار وتطوير بيئة الأعمال لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مشيراً إلي أن هذه الإصلاحات أصبحت أكثر إلحاحاً في ظل الضغوط الاقتصادية الحالية.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان