تحل اليوم ذكرى ميلاد سيد درويش، أحد أبرز رموز الموسيقى العربية، والذي وُلد في 17 مارس عام 1892 بمدينة الإسكندرية، وترك إرثًا فنيًا خالدًا رغم رحيله المبكر عن عمر لم يتجاوز 31 عامًا.
يُنظر إلى سيد درويش بوصفه حجر الأساس في تطوير الأغنية المصرية الحديثة، إذ أحدث نقلة نوعية في شكل ومضمون الموسيقى، ونجح في التعبير عن هموم الناس اليومية بلغة فنية بسيطة وقريبة من الشارع.
وقد أشاد به الأديب عباس محمود العقاد، مؤكدًا أن ألحانه انتشرت في كل ربوع مصر، وترددت في البيوت والشوارع، حتى أصبحت جزءًا من الوجدان الشعبي، وهو ما يعكس قوة تأثيره الفني وقدرته على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع.
لم تكن انطلاقة سيد درويش سهلة، فقد اضطر للعمل في مهن شاقة، من بينها البناء، لمساعدة أسرته. وخلال تلك الفترة، لفت صوته الأنظار، لتتغير حياته عندما اكتشفه الأخوان أمين وسليم عطا الله، واصطحباه في رحلة إلى بلاد الشام عام 1908، حيث اكتسب خبرات موسيقية جديدة شكلت ملامح مشروعه الفني لاحقًا.
مع انتقاله إلى القاهرة عام 1917، بدأت مرحلة جديدة من النجاح، إذ تعاون مع كبار نجوم المسرح، مثل نجيب الريحاني وجورج أبيض وعلي الكسار، وقدم ألحانًا مميزة أسهمت في انتشار المسرح الغنائي وتحويله إلى فن جماهيري واسع.
خلال ثورة 1919، أصبحت أعماله لسان حال الشعب، فقدم أغانٍ وطنية حفزت الروح النضالية، من أبرزها "قوم يا مصري"، التي تحولت إلى أيقونة في تاريخ الكفاح الوطني.
كما يُعد ملحن النشيد الذي أصبح لاحقًا النشيد الوطني المصري "بلادي بلادي"، المستوحى من كلمات الزعيم مصطفى كامل، ولا يزال يُردد حتى اليوم.
ترك سيد درويش تراثًا غنيًا من الأغاني التي ما زالت حاضرة بقوة، من بينها: "أهو ده اللي صار"، "زوروني كل سنة مرة"، "الحلوة دي قامت تعجن"، "أنا هويت"، و"سلمى يا سلامة"، وهي أعمال شكلت وجدان أجيال متعاقبة.
رحل سيد درويش في سبتمبر عام 1923 وسط ظروف غامضة، تزامنًا مع عودة الزعيم سعد زغلول من المنفى.
وبينما تعددت الروايات حول سبب الوفاة، بقيت الحقيقة غير محسومة، ما أضفى على رحيله طابعًا من الغموض.
رغم قصر حياته، استطاع سيد درويش أن يترك بصمة لا تُمحى، إذ أسس لمرحلة جديدة في الموسيقى العربية، وجعل من الفن وسيلة للتعبير عن قضايا المجتمع، ليظل حتى اليوم رمزًا للإبداع والتجديد.