حالة من الارتباك وتضارب واضح فى التصريحات التى يدلى بها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب من حين لآخر حول انتصاره فى الحرب على إيران، فما إن يعلن الفوز وقرب انتهاء الحرب حتى يعود ليؤكد ضرورة عدم الانسحاب المبكر حتى «إنهاء المهمة»، وهو ما يشير إلى الوضع المعقد الذى يواجهه الرئيس الأمريكى فى حربه على إيران، والتى أصبحت مرشحة لخروجها عن السيطرة وتزايد تبعاتها الإقليمية والدولية، حسب محللين ووسائل إعلام أمريكية وعالمية.
فى هذا السياق، قال تقرير لموقع «أكسيوس» إن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قد يكون دخل فى ما وصفه مسئولون داخل الإدارة بـ «فخ التصعيد» فى الحرب مع إيران، وهى مواجهة تختلف عن أسلوبه المعتاد القائم على الاندفاع والارتجال والقدرة على تغيير المسار سريعاً.
وحسب الموقع الأمريكى، فإن الحرب التى تجاوزت أسبوعها الثالث تمثل اختبارًا غير مسبوق لأسلوب ترامب فى إدارة الأزمات، إذ لم يعد بإمكانه التراجع بسهولة أو الخروج من المأزق عبر تصريحات أو قرارات مفاجئة كما حدث فى ملفات أخرى.
وذكر التقرير، أن ترامب كان يتوقع نصرًا سريعًا وحاسماً، إلا أن طبيعة الحرب تجعل نتائجها خارج السيطرة الأحادية، خصوصاً أن إيران لا تزال قادرة على التأثير فى مجريات الصراع عسكرياً واقتصادياً.
فى السياق ذاته، اعتبر الكاتب ستيفن كولينسون، فى مقال بموقع «سى إن إن»، أن إعلان ترامب المتكرر الفوز على إيران ومنذ اليوم الأول للحرب يبدو مبكرا وغير واقعى، موضحا أن أى نظرة موضوعية للأحداث تُظهر أن الولايات المتحدة لم تنتصر بعدُ، لأن التعقيد المتزايد يشكك فى سردية النصر الملائمة سياسيا.
ورأى الكاتب، أن التحدى الأكبر بالنسبة ل ترامب يتمثل فى كيفية إنهاء هذا الصراع بطريقة يمكن تقديمها للرأى العام على أنها انتصار، قبل أن يتآكل التفوق العسكرى الأوّلى وتتحول الحرب إلى اختبار طويل للقدرة على الصمود.
كما أشار تقرير نشرته شبكة «سى إن إن»، إلى أن الهجوم الأمريكى على إيران أسفر عن نتائج عكسية غير متوقعة أدت إلى تحول سريع للحرب إلى صراع مفتوح له تداعيات اقتصادية وسياسية خطيرة.
وذكر التقرير، أنه رغم تمكن الضربة العسكرية الأولى، فى 28 فبراير، من اغتيال المرشد الأعلى على خامنئى وعدد من كبار القادة العسكريين، فقد فشلت العملية فى تحقيق الهدف السياسى المرجو.
وأفاد بأن الخطة الأمريكية فشلت فى تغيير القيادة العليا للنظام الإيرانى بوجوه «أكثر اعتدالا وتعاونا مع واشنطن»، مشيرا إلى أن اغتيال المرشد الأعلى على خامنئى وعدد من مساعديه لم يؤد إلى انهيار النظام، بل أدى إلى زيادة تصلبه.
وأوضحت «سى إن إن»، أنه عقب اغتيال على خامنئى، سارعت إيران إلى تعيين ابنه مجتبى مرشدا أعلى جديدا، والذى وعد- بدوره - بالانتقام من الضربات الأمريكية، وأعلن غلق مضيق هرمز، مما عكس تصلبا فى موقف النظام الإيرانى بدلا من تراجعه.
كما تشمل هذه النتائج «العكسية» أيضا- وفقا لتقرير الشبكة الأمريكية - تعزيز سيطرة النظام الإيرانى على مفاصل الدولة وامتداد النزاع إلى دول المنطقة وإحداث أزمة طاقة عالمية مع غلق مضيق هرمز الحيوى الذى يمر عبره نحو 20% من النفط العالمى.
وأفاد التقرير، بأن بعض المسئولين الأمريكيين أعربوا عن قلقهم من أن استمرار الحرب على إيران قد يؤدى إلى زيادة العمليات الانتقامية الإيرانية، لافتا إلى أن الردود الإيرانية لم تقتصر على الداخل، بل امتدت لتشمل دول الخليج رغم أنها لم تشارك فى الحرب.
كما تناول التقرير كيفية تأثير ضعف التخطيط الأمريكى على مسار الحرب، إذ أشار إلى تقليص دور مجلس الأمن القومى الأمريكى بشكل كبير خلال العام الماضى، مما أضعف دوره فى التنسيق وجمع المعطيات قبل اتخاذ القرارات الحاسمة.
وأبرز التقرير، أن إدارة ترامب بعد أسبوعين من بدء الحرب لم تتمكن بعد من وضع استراتيجية واضحة لإنهاء الصراع الذى تزداد تعقيداته يوما بعد يوم.
وكشف أن الهجوم الذى كان من المفترض أن يكون حملة عسكرية مركزة وخاطفة، تحول إلى حرب مفتوحة خرجت عن السيطرة الأمريكية، مع توسيع نطاق الرد الإيرانى.
وفى تقرير آخر، أشارت «سى إن إن»، أيضا إلى الفجوة الآخذة فى الاتساع بين خطاب الإدارة الذى يشدد على النصر والواقع على الأرض ما يضع المصداقية الأمريكية على المحك، خاصة مع ظهور مؤشرات تدل على أن التفوق العسكرى الكاسح لم يعد وحده كافياً لحسم صراعات تُدار «بالمشاعر» والمخاطرات غير المحسوبة حيث يقف الرئيس دونالد ترامب اليوم عند مفترق طرق هو الأكثر خطورة فى مسيرته السياسية، فبينما يصر على لغة «المبالغة» التسويقية التى يتقنها بادعاء النصر المبكر فى حربه ضد إيران، تشير الحقائق الميدانية إلى فقدان تدريجى للسيطرة على حرب تتسع رقعتها؛ حيث بات الانسحاب منها كارثياً والبقاء فيها استنزافاً استراتيجياً واقتصادياً لا يرحم.
وأضاف التقرير، أن ترامب لم يغرق بعد فى المستنقعات التى أهلكت القوات الأمريكية فى صراعات خاسرة كأفغانستان والعراق، إلا أن علامات الخطر تطل برأسها من كل حدب وصوب، مُطلقةً تحذيرات بأن «الغضب الملحمى» قد ينزلق إلى فشل تاريخى، خاصة بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز الشريان الحيوى للاقتصاد العالمى والذى تحول إلى ساحة تحدٍ سافر أثبتت أن القوة العسكرية المفرطة قد تقف عاجزة أمام تكتيكات «الاستنزاف».
أما المحلل سايمون تيسدال، فقال فى مقال بصحيفة «الجارديان» البريطانية، إن الأخبار القادمة من إيران تفيد بأن الرئيس دونالد ترامب يجعل أمريكا تخسر الحروب مرة أخرى، مؤكدا أن فشلا ذريعا يلوح فى الأفق، سيلحق ضررا رمزيا بمكانة الولايات المتحدة العالمية وكرامتها الوطنية، تماما كما فعلت أفغانستان أو العراق بها.
ورأى تيسدال، أن ترامب أصبح العدو الأول للعالم، فهو يخسر بشكل متزايد الحرب غير الشرعية مع إيران التى أشعلها لكنه عاجز عن إيقافها، وجعل عامة الناس فى كل مكان، المهدد أمنهم، يواجهون فاتورة اقتصادية باهظة نتيجة حماقته المتهورة.
وأضاف، أن ترامب ليس لديه خطة واضحة وليست لديه أدنى فكرة عما يجب فعله فى إيران، فهو يتوهم أنه يسيطر على الأحداث، لكن كلما زاد قصف الولايات المتحدة وإسرائيل لطهران ومدن أخرى، يزداد تحدى النظام الإسلامى، حيث سيستمر النظام فى القتال وبوسائل غير متكافئة بشكل متزايد، ولن تكون هناك انتفاضة شعبية طالما استمر هذا الوضع.
ورغم تأكيد تيسدال أن القدرات العسكرية الإيرانية قد تراجعت بشدة، لكنه يرى أن هذا لن ينتهى بشكل جيد لواشنطن.