إن من أعظم ما ابتُليت به أمتنا في هذا الزمان ما نعايشه ونراه من دعوات للتشرذم المقيت والتنازع المذموم، حتى صار بأسُنا بيننا شديداً وتفرّقنا شيعاً وأحزاباً ، يطعن بعضنا في بعض، ويُضلل بعضنا بعضاً وكأننا لم نسمع قول الحق سبحانه:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾
ولا وعينا تحذيره للأمة :
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا ﴾
إن وحدة الأمة فريضة شرعية ومقصد عظيم من مقاصد هذا الدين يقول ربنا عز و جل :
﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
وقد حذّر النبي ﷺ من أسباب الفرقة أشد التحذير فقال:
« لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً » (رواه مسلم)،
وقال ﷺ:
«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا » (متفق عليه)،
وفي أبلغ تصوير لوحدة الصف :
«مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد...» (متفق عليه)
فأين نحن من هذه المعاني العظيمة ؟!
و كيف انقلب الخلاف الفقهي إلى عداوة، والتنوع إلى تناحر، حتى صار بعضنا يتتبع الزلات، ويُشهر الاتهامات، ويُقصي إخوانه من دائرة الإيمان ؟!
لقد كان سلفنا الصالح أعلمَ الناس بالاختلاف وأحسنَهم أدبًا فيه
فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول:
"الخلاف شر"
وكانوا يقولون: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"، وهو منهج راسخ في مدرسة الوسطية.
وكان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول :
"لا يظنّن أحدكم بكلمة خرجت من أخيه شراً وهو يجد لها في الخير محملاً"
فأين هذا الأدب من واقعنا الذي امتلأ بسوء الظن، وسرعة الاتهام، والتسرع في إطلاق الأحكام؟!
إن من أخطر ما يُبتلى به الناس: أن يتحول الدين الذي جاء لجمع القلوب إلى أداة تمزيق، وأن تُستغل محبة آل البيت أو الصحابة لإثارة النزاع، مع أن محبتهم جميعًا دينٌ ندين لله به
إن أعداء الأمة لا يحتاجون إلى جهد كبير ما دمنا نهدم أنفسنا بأيدينا، ونحقق لهم ما عجزوا عنه، فهم يجتمعون على مصالحهم، ونحن نختلف على مسلّماتنا، يتكتلون، ونحن نتشرذم، يخططون، ونحن نتنازع
أما آن لنا أن نفيق ؟!
أما آن لنا أن نُدرك أن بقاءنا في هذا المسار هلاكٌ محقق ؟!
إن الواجب اليوم :
كفُّ الألسنة عن الطعن والتبديع و التفسيق بغير حق
و ردُّ الأمور إلى أهل العلم الراسخين
و تعظيم المشتركات، وعلى رأسها العقيدة والقبلة والقرآن
و تربية الأجيال على أدب الخلاف لا ثقافة الصراع
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾
فلا نصر بلا وحدة ولا قوة مع الفرقة، ولا بركة مع التنازع
و هكذا هو منهج الإسلام القويم يدعونا إلى التآلف و ينهانا عن التفرق و التشرذم
قال تعالى: « ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات»
فلننتبه لما يحاك بنا ، وليكن شعارنا قول الله تعالى:« إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون » فلنكن إخواناً متحابين، متآلفين على الحق، نصون عقيدتنا من أن تكون ميداناً لأعدائنا.
و لنرفع جميعاً شعار النجاة:
الوحدة فيما اتفقنا عليه، والعذر فيما اختلفنا فيه، والرجوع إلى الحق متى ظهر.
نسأل الله أن يؤلف بين قلوبنا، وأن يطهّر صدورنا من الغل والحقد، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.