تواصل الهند ترسيخ مكانتها كشريك رئيسي لدول الجنوب العالمي، مستندة إلى تاريخ طويل من العلاقات المشتركة القائمة على النضال والتنمية والسعي نحو الاستقلال الاقتصادي.
وقد تطور دورها من قيادة حركة عدم الانحياز إلى لاعب محوري في تعزيز التعاون بين الدول النامية.
وشهدت هذه الشراكة دفعة قوية خلال فترة حكم رئيس الوزراء ناريندرا مودي، الذي أطلق مبادرة "قمة صوت الجنوب العالمي" في يناير 2023، أعقبها تنظيم نسخ أخرى في نفس العام ثم في 2024، بهدف توحيد مواقف الدول النامية وطرح قضاياها على الساحة الدولية، خاصة بالتزامن مع رئاسة الهند لمجموعة العشرين.
وتؤكد الهند أنها لا تكتفي بطرح المبادرات، بل تعمل على تنفيذها عمليًا من خلال برامج دعم متعددة، أبرزها برنامج التعاون الفني والاقتصادي، الذي قدم تدريبًا ومساعدات فنية لأكثر من 160 دولة في مجالات الصحة والتعليم والزراعة والتكنولوجيا، بما يسهم في تنمية الموارد البشرية.
وتستند السياسة الخارجية الهندية إلى مبدأ "العالم أسرة واحدة"، وهو ما انعكس بوضوح خلال رئاستها لمجموعة العشرين عام 2023، حيث رفعت شعار "أرض واحدة، أسرة واحدة، مستقبل واحد"، مع التأكيد على ضرورة تحقيق توازن وعدالة في النظام الدولي.
وعلى صعيد التطورات الراهنة، أصبحت شراكة الهند مع الجنوب العالمي أحد الركائز الأساسية لسياستها الخارجية، خاصة بعد نجاحها في ضم الاتحاد الإفريقي كعضو دائم في مجموعة العشرين، في خطوة تعزز تمثيل الدول النامية عالميًا.
ويأتي هذا الدور مدعومًا بنمو اقتصادي متسارع، حيث تقدمت الهند لتصبح رابع أكبر اقتصاد عالميًا، مع توقعات بصعودها إلى المرتبة الثالثة خلال السنوات المقبلة، فضلًا عن تحقيق معدلات نمو مرتفعة، ما يعزز قدرتها على لعب دور أكبر في دعم الدول الشريكة.
وخلال جائحة كورونا، برزت الهند كداعم رئيسي لدول الجنوب العالمي، حيث قدمت أدوية لأكثر من 150 دولة، إضافة إلى مئات الملايين من جرعات اللقاحات لأكثر من 100 دولة، إلى جانب تقديم مساعدات مالية وغذائية لعدد من الدول التي واجهت أزمات حادة.
وترتكز الشراكة الحالية للهند مع الجنوب العالمي على عدة محاور رئيسية، تشمل تطوير البنية التحتية الرقمية، وتوسيع استخدام أنظمة الدفع الإلكتروني، ودعم الشمول المالي، إلى جانب تعزيز التعاون في القطاع الصحي وتوفير الأدوية منخفضة التكلفة.
كما طرحت الهند مبادرة "ميثاق التنمية العالمي" التي تركز على دعم الدول الأقل نموًا عبر تقليل الحواجز التجارية وتقديم تمويلات ميسرة للمشروعات، في إطار نهج يهدف إلى تحقيق تنمية مستدامة بعيدًا عن أعباء الديون.
وفي ملف المناخ، تدعو الهند إلى تحقيق العدالة المناخية، وتدعم التحول إلى الطاقة المتجددة من خلال مبادرات دولية، أبرزها التحالف الدولي للطاقة الشمسية، إضافة إلى تشجيع أنماط الاستهلاك المستدام.
ويؤكد مراقبون أن التحركات الهندية تعكس سعيها لتعزيز نظام دولي متعدد الأقطاب، يمنح الدول النامية دورًا أكبر في صنع القرار العالمي، ويكرّس شراكات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
ويخلص التقرير إلى أن الهند، بفضل قوتها الاقتصادية وتحركاتها الدبلوماسية، باتت مؤهلة للعب دور محوري في تشكيل مستقبل الجنوب العالمي، من خلال دعم التعاون والتنمية ومواجهة التحديات الدولية المشتركة.