الأمن القومي العربي كل لا يتجزأ.. هكذا وصف السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي كيف أن هذا المفهوم هو جامع وشامل لصون وحماية الأمة العربية من مخاطر التحديات الإقليمية والدولية الراهنة، حديث مصري ليس وليد اللحظة الراهنة ولكنه إيمان مصري ممتد عبر العقود ظهر جاليا منذ عام 2015، خلال القمة العربية ، التي استضافتها مصر وتحدث خلالها السيد الرئيس السيسي حول أهمية إحياء مفهوم الأمن القومي العربي ، وصولا لوجود قوة عربية مشتركة تحفظ السلام والاستقرار بالمنطقة العربية، الرؤية المصرية الاستشرافية تتحدث عن تلك الضرورة منذ وقت مبكر وتتضح الآن صحة هذه الرؤية، بل إن تعاظم التحديات والمهددات التي تواجه الدول العربية في ظل الهشاشة والسيولة الأمنية الحادثة في المنطقة تفرض علي كل الدول العربية، التي لا تزال تحتفظ بقدرتها الوطنية أن تتفاهم وتتوافق حول أهمية تفعيل مفهوم الأمن القومي العربي كمحرك أساسي، لحماية الأمن الجماعي للدول العربية.
الخطوة الأولي تأتي عبر صياغة محكمة لاستراتيجية عربية للأمن القومي العربي تتضمن تعريفا للمفهوم والمهددات وأيضا محددات العمل، لصون وحماية الأمن الجماعي بالإضافة لسُبل التنسيق من أجل حفظ الأمن والسلم العربي، وهنا بالتأكيد يمكن الارتكاز علي مؤسسية جامعة الدول العربية، التي هي الأخري تحتاج إلي تطوير كبير سواء علي الصعيد الهيكلي أو العملي، ولكن كخطوة أولي يمكن العمل وفق ما تتيحه الجامعة من أدوات وإمكانيات والانطلاق من تطوير منظومة العمل الأمني الجماعي نحو تطوير مختلف منظومات العمل السياسي والاقتصادي والثقافي وغيرها من مفردات عمل عربي مشترك.
الخطوة الأولي هي الأصعب ولكنها الأهم ولا وقت لنضيعه، فمن الممكن تحويل محنة المهددات الأمنية، التي تحيط بالمجموعة العربية إلي منحة، لتعزيز مفهوم الأمن الجماعي وصياغة استراتيجية عمل تنقذ الأمن العربي من التأثر بشكل سلبي بالمتغيرات الدولية والإقليمية، التي تعيد صياغة النظام الدولي مجددًا، بل حان الوقت للبحث عن المشروع العربي وترسيخه بمشروعية أمنية تضمن البقاء والوجود وسط هذا العراك الإقليمي.
الحرب الجارية في الإقليم، التي تتسع يوم بعد يوم ومخاطرها الأمنية لن تنتهي بين عشية وضحاها، بل إن المهددات الأمنية ستظل قائمة والنيران الإقليمية، التي من الممكن إخمادها اليوم ربما ستشتعل غدًا مجددًا، فعلينا كأمة عربية أن نتعلم الدرس، وهو ما يتطلب نظرة مستقبلية وصياغة محكمة لمفهوم الأمن القومي العربي بعد أن تأكد للجميع أن لا أحد بعيد عن التأثيرات السلبية سواء علي الصعيد الاقتصادي أو الأمني أو حتي الجغرافي والديمغرافي، فالضرورة الأمنية الملحة تستوجب عملا مكثفا لإنقاذ مستقبل الأمن القومي العربي قبل فوات الأوان.