المصير المحتوم

المصير المحتومعاطف عبد الغني

الرأى29-3-2026 | 14:53

في عرضه الأول قبل 35 عامًا، ذهبتُ إلي إحدي دور السينما لأشاهد أحد أروع الأفلام التي أنتجتها "هوليود" مدينة السينما الأمريكية.. سمعة الفيلم كانت قد سبقت عرضه في مصر؛ فقد حصد 7 من جوائز الأوسكار، منها أهم 3 فروع لصناعة الدراما وهي: السيناريو، والإخراج، والبطولة للنجم الرائع كيفن كوستنر.

وبقدر ما أحدث الفيلم من ضجة فنية، لم يُحدث مضمونه المقتبس من حوادث تاريخية حقيقية، رد الفعل ولا الأثر السياسي ولا الاجتماعي المنتظر؛ فلم يبكِ العالم مصير الضحايا الذين تناولهم الفيلم، السكان الأصليين لقارة أمريكا الشمالية ممن أطلق عليهم قبائل الهنود الحمر، الذين أبادهم مجرمو الحرب الغزاة الذين انطلقوا من بريطانيا وعبروا المحيط الأطلسي ليغتصبوا بكارة أراضي هذه القبائل وثقافتهم ونساءهم، وجاء الفيلم بعد مئات السنين من وقوع الجريمة بمثابة اعتراف من الرجل الأبيض، ووثيقة إدانة ولو درامية، ومراجعة تاريخية جريئة (تم تصنيف الفيلم ضمن حركة "سينما المراجعة" REVISIONIST WESTERN)؛ والمراجعة تؤكد الجريمة وتكشف هوية الجاني وحقيقته. ولم يكن لفيلم بعد مئات السنين من وقوع الجريمة وانطماس معالمها أن يغير شيئاً من واقع تراكم في رحلة "البعث" من الرماد، والأدهي أن الغرب تعامل مع الفيلم علي أنه أيقونة إنسانية تُحسب له لا عليه، لكن كثيرين في أنحاء العالم لم يكن هذا رأيهم في فيلم حاول - علي الأقل - تصحيح الصورة النمطية التي رسمتها السينما الأمريكية لعقود عن "الهندي الأحمر" المتوحش البربري كما كانت تظهره دائما.

والملحوظة الأهم من وجهة نظرنا، هي أن الفيلم عمل علي تفكيك أسطورة "المصير المحتوم" (MANIFEST DESTINY) التي سوغت تاريخيا جريمة توسع الغرب في قارة أمريكا الشمالية، والعمل علي إبادة سكانها الأصليين، وفي هذا الصدد أبرز الفيلم العقيدة القتالية للجيش الأمريكي، وكشف حقيقته ليس كقوة حضارية، بل كآلة عمياء ومبيدة وغبية، افتقرت للحكمة، والروحانية التي خص بها الفيلم قبائل "السيوكس" التي كانت تحاربها كتيبة بطل الفيلم الأمريكية، وتعمل بوحشية علي طردها من أرضها لتحتلها؛ وقائع تذكرك علي الفور بسلوكيات عصابات الصهاينة المسلحة (شتيرن وأرجون وليحي) في تعاملهم مع سكان فلسطين المحتلة قبل حرب فلسطين 1948 وبعدها.

ومع كل انفجار كبير أو حرب يشنها العدو الصهيوني، أو ربيبته الإمبراطورية الاستعمارية أمريكا ضد بلادنا، يحضرني الفيلم وأنا أري القوة العسكرية الغاشمة تدمر وتحرق وتقتل الحرث والنسل، وتسعي لكسر روح أصحاب الأرض ومحو الثقافة الأصيلة؛ وما كانت صرخة الغزويين للعالم إلا من عدو يسعي لمحو هويتهم بكل ما أوتي من وحشية، ومازالت الصرخة تدوي والجرح الفلسطيني ينزف، حتي مع انشغال العالم بحرب جديدة يقودها الصهاينة الأمريكان واليهود ضد إيران، في صراع ثقافات وإرادات آخر قوامه نفي الآخر، أو كما تشير إليه دساتير حروبهم المقدسة: "تحريم الجوييم" بمعني إبادته، وحين جاهر مجرمهم الأكبر نتنياهو بأنهم يحاربون الإسلام، كان يعكس حقيقة؛ فهم لا يرون الإسلام ديناً سماوياً (ولا المسيحية)، ونجحوا في أن يختلقوا في الغرب عقدة خوف من الإسلام والمسلمين عنوانها "الإسلاموفوبيا"، استبدلوها بعقدة اليهودي التائه الذي اشتهر تاريخياً في صورة شخص أحدب معقوف الأنف يتنفس شراً، ويمتهن أحط المهن من الربا إلي القوادة، أو كما صورته مسرحية تاجر البندقية لشكسبير.

وأخيرًا، إذا كان فيلم "الراقص مع الذئاب" جاء وراح كحلم ليلة صيف، أو كمرثية درامية لعالم "الهنود الحمر" الضائع، فإن حضارات الفرس والفراعنة والعرب، التي استعبدت اليهود في مراحل عدة من مراحل وجودهم علي الأرض، وترك هذا الاستعباد وصمة في نفوسهم وعقدة عبرت عنها كتبهم المقدسة، فإن (أمريكا وإسرائيل) بجيوشهم الجرارة وأسلحتهما الجبارة لن يهزما حضارات أقوي وممتدة لآلاف السنين وأعمق في نفوس أهلها، من كيانات تشكلت من شذاذ الآفاق لم تمتلك حضارة، ولا يزيد عمر أطولها (أمريكا) علي قرنين ونصف القرن .

أضف تعليق

بطل الحكاية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان