المتابع لما جري في الـ 50 عامًا الماضية سوف يدرك أن المخطط ليس وليد الصدفة، وما حدث مع الجيش العراقي، وما جري استنزافه في سوريا، وما آلت إليه الأوضاع في ليبيا واليمن وما يحدث في السودان، ليس إلا حلقات في جنزير واحد يهدف لإفراغ المنطقة من أي دول وطنية قوية وأية قوة عسكرية نظامية قادرة علي قول «لا».
اليوم، الدور علي إيران، ليس حبًا في الديمقراطية أو خوفًا من القنبلة النووية، بل لأن هناك جيشًَا يطور قدراته، والمطلوب إسرائيليًا هو إيصال رسالة لكل عاصمة بالمنطقة: «إذا فكرتم في تجاوز الخطوط الحمراء، فمصيركم القصف»، حتي «صواريخ العيد» التي يلهو بها أطفالنا، باتت تقض مضاجعهم، لأنهم يخشون العقل الذي يصنع، لا السلاح الذي يشتري.
السؤال الجوهري الذي يتردد الآن في الشارع المصري والعربي بكل حرقة: هل يمكن أن يحارب العرب إيران من أجل سواد عيون نتنياهو؟، الإجابة القاطعة من واقع السياسة المصرية الراسخة واليقين المصري الشعبي: «مستحيل».
نتنياهو يعيش أسوأ أيامه، يطارده شبح السجن بتهم الفساد، وتلاحقه إخفاقات الميدان في غزة و لبنان ، هذا الكائن وجد في الحرب الشاملة «طوق نجاة»، وحاول بكل ما أوتي من مكر أن يورط الإدارة الأمريكية، مستخدمًا تارة لغة الابتزاز وتارة أخري لغة الإغراء بالسيطرة علي نفط وغاز المنطقة.
لقد ذهب نتنياهو إلي ترامب ليس طلبًا للتحالف، بل توريطًا لأمريكا في صراع مشبوه، واستخدم في ذلك كما قلت أساليب «قذرة» تعودنا عليها من هذا الكيان الشيطاني، سواء بالابتزاز بملفات قديمة أو بإغراءات اقتصادية وهمية حول «حصار الصين» والسيطرة علي مقدرات الطاقة العالمية، لكن الأخطر هو محاولته توريط العرب وخاصة دول الخليج العربي، يريد نتنياهو أن يقنع العالم ويخدعه بأن الحرب «عربية - إيرانية»، ليجلس هو في مقاعد المتفرجين ويجني الثمار، يريد من دول ذات اقتصادات واعدة وجيوش بنيت بمليارات الدولارات أن تدخل في «صراع صفري» يدمر الأخضر واليابس، لتتحول في النهاية إلي «دول ضعيفة» تطلب الحماية.
نتنياهو صور لترامب وللغرب أن هزيمة إيران هي مسألة أيام، مستندًا إلي وجود عشرات القواعد الأمريكية في المنطقة وحاملات الطائرات، لكن الحقيقة الميدانية صدمت الجميع، اكتشفوا أن الحرب ليست «نزهة»، وأن الصواريخ والمسيرات قادرة علي الوصول لأهداف حساسة حتي داخل القواعد الحصينة.
ماذا فعل نتنياهو وتابعه ترامب حين اكتشف صعوبة المهمة؟ بدأ في إيهام وتحريض الحكام الخليجيين، مطالبًا إياهم بالدفاع عن القواعد الأمريكية التي كانت تُبني أصلاً بحجة «حمايتهم»، إنها مفارقة تاريخية مضحكة ومبكية، أن تدفع تريليونات الدولارات لتبني قواعد تحميك، ثم تُطالب في النهاية بأن تضحي بجيشك لترد الضربات عن تلك القواعد!
هنا يبرز الوعي المصري مجددًا، مصر (المحروسة) حين يتحدث وزير خارجيتها، الدكتور بدر عبد العاطي، عن التزامها بأمن الخليج، فهو لا يتحدث عن «شيك علي بياض» للدخول في مغامرات عسكرية غير محسوبة، بل يتحدث عن «درع حماية» يمنع الاعتداء علي الأشقاء، وفي الوقت ذاته يرفض جر المنطقة إلي فوضي شاملة.
مصر (الشقيقة الكبري) ترفض أن تكون دماء أبنائها أو أبناء أشقائها وقودًا لأطماع وأوهام نتنياهو أو لبقائه في منصبه، نحن نعلم أن الهدف من التصعيد الحالي هو إلهاء العالم عما يحدث في غزة والضفة، وإفساح المجال لمخططات الضم والاستيطان، لذلك مصر اليوم تلعب دور «المايسترو» الذي يحاول خفض التصعيد عبر قنوات تواصل مع واشنطن وطهران، ليس دفاعًا عن نظام أو أيديولوجيا، بل حمايةً لـ «بيتنا العربي الكبير» من حريق سيأكل الجميع إذا اندلع.
مصر (الواعية) تعلم أن الملفات كلها موصولة ببعضها البعض، ما يحدث في السودان ليس بعيدًا عما يحدث في أصفهان، هناك رغبة في تفكيك «الدولة الوطنية السودانية» لصالح ميليشيات لا تملك ولاءً للأرض، تمامًا كما يراد تفكيك الجيوش النظامية في الإقليم.
لذلك، كانت «الخطوط الحمراء المصرية» واضحة: لا مساس بوحدة السودان، ولا مساواة بين الجيش الوطني والميليشيات، ومثلما نقف في السودان لحماية الدولة، نقف في لبنان للمطالبة بحصر السلاح في يد الدولة اللبنانية فقط، ونقف في فلسطين لتمكين السلطة الفلسطينية من إدارة قطاع غزة والضفة الغربية، وهذا هو الفرق بين «مشروع الهدم» الذي يقوده نتنياهو، و«مشروع البناء» الذي تقوده مصر، هم يريدون إقليمًا مليئًا بالميليشيات المتناحرة ليكونوا هم الأقوي، ونحن نريد إقليمًا مليئًا بالدول الوطنية المستقرة ليكون السلام ممكنًا.
ورغم مرارة ما يحدث إلا أن ما يثلج الصدر في هذه الأزمة هو حالة «الفوقان» التي نلمسها لدي الشعوب العربية، لقد ولي زمن الخديعة بالشعارات الطائفية أو القومية الزائفة، المواطن العربي اليوم يفرق جيدًا بين الخلاف السياسي مع إيران، وبين المخطط الصهيوني الذي يستهدف إخراجنا جميعًا من معادلة القوة.
صديقي القارئ العربي.. إن محاولات الوقيعة بين مصر وأشقائها في الخليج عبر «لجان إلكترونية» مأجورة، هي محاولات بائسة، فالتنسيق المصري الخليجي اليوم في أعلي مستوياته، وهناك إدراك مشترك بأن «الهدوء» هو السلاح الأقوي في مواجهة «المجنون» الذي يقود «الكيان الشيطاني» وإن حالة الخوف والقلق التي وصلت إلي «المنبطحين» هي بداية الوعي الحقيقي.
لقد أصبح من المعتاد أن كل من يعارض العربدة الإسرائيلية الصهيونية في المنطقة يُوصم بـ «النازية» أو «معاداة السامية»، إنها تهم جاهزة تهدف لإسكات أي صوت يطالب بالعدالة أو يحذر من الأطماع التوسعية، لكن هذه «الفزاعات» لم تعد تجدي نفعًا مع شعوب استعادت وعيها، لقد استخدموا هذه التهم ضد كل جيش أراد التطوير، وضد كل زعيم أراد الاستقلال بقراره، ولكن، هل هناك نازية أكثر من قتل 75 ألف إنسان بدم بارد وتدمير المستشفيات والمساجد والكنائس؟ إن من ينكر حق الشعوب في الدفاع عن نفسها هو «المعادي الحقيقي للإنسانية».
وهنا يأتي دورنا كإعلاميين ومثقفين، حيث يجب أن ننقل الحقائق بموضوعية، وأن نحذر من الانسياق وراء الأصوات التي تثير الفتنة علي وسائل التواصل الاجتماعي، فالموقف «الوجودي» الراهن يتطلب تطابقاً وتنسيقاً كاملاً، وهو ما تفعله الدولة المصرية ومن ورائها الشعب المصري بكل شفافية ووطنية وعروبة.
يجب أن يعلم كل مواطن أن صمتنا أحيانًا ليس «عجزًا»، بل هو «حكمة» القابض علي خيوط اللعبة، نحن نعلم أين تذهب الأمور، ولن نسمح بأن تنجر مصر إلي معركة يختار زمانها ومكانها «نتنياهو» أو أي أحد غيره، معاركنا نحن من نحددها، وأهدافنا هي حماية «الأمن القومي العربي» بمفهومه الشامل، أمن الأرض، وأمن الإنسان، وأمن البحث العلمي والسلاح الذي يحاولون قصفه في أصفهان وفي كل عاصمة عربية.
كلمة أخيرة.. الأرض لأصحابها
في الذكري الخمسين ليوم الأرض، نذكر الجميع بأن الجغرافيا لا تكذب والتاريخ لا يُزور، فلسطين عربية، وثروات العرب ملك للعرب، وأمن الإقليم لن يتحقق إلا باحترام السيادة الوطنية لكل دولة.
أوهام «إسرائيل الكبري» ستظل مجرد «كوابيس» في رؤوس أصحابها، لأن الأرض لها أصحاب يفتدونها بالأرواح، ولأن في المنطقة «دولة مركزية» اسمها مصر، تعلم متي تصبر ومتي تضرب، وتعلم أن كرامة العربي تبدأ من استقلال قراره، مصر، بجيشها القوي وعقلها السياسي الرصين، لن تنجر إلي حروب بالوكالة، ولن تسمح في الوقت ذاته بأن يفرض أحد إرادته علي المنطقة، نحن نمسك بخيوط اللعبة، ونعلم أن القوة الحقيقية ليست في امتلاك السلاح فقط، بل في امتلاك قرار السلم والحرب، وفي حماية «الدولة الوطنية» من الانهيار وسط طوفان المؤامرات.
لن يحارب العرب نيابة عن أحد، ولن تسمح مصر بالمساس بأمنها أو أمن أشقائها، الأرض لنا، والثروات ملكنا، والمستقبل نحن من نرسم ملامحه بعيدًا عن جنون العظمة الذي يسيطر علي قادة الاحتلال، نحن أمة استعادت وعيها، ولن تفرط في ذرة تراب أو قطرة دم من أجل نجاة «سياسي فاسد» من قفص الاتهام.. فذلك «عشم نتنياهو في الجنة».