على مدار أسابيع من استهداف الضربات الجوية الأمريكية - الإسرائيلية لقدرات إيران الصاروخية، ومنشآت الطائرات المسيرة، والبنية التحتية، ومحطات الطاقة، وغيرها من الأهداف، لم تسفر هذه الضربات عن تغيير حاسم فى مجريات الحرب، بل على العكس استمر النظام الإيراني فى إظهار قدرته على تعطيل تدفقات الطاقة، سواء عبر إبقاء مضيق هرمز مغلقاً فعلياً أو من خلال استهداف المصالح الأمريكية فى منطقة الخليج، ما يطرح التساؤلات حول سيناريوهات التدخل البري، وكيف سيكون الرد الإيراني.
فى هذا السياق، ذكر تقرير لموقع « سيمافور» الأمريكى، أن إدارة ترامب تدرس بالفعل تنفيذ غارة لقوات العمليات الخاصة على منشآت نووية رئيسية مثل أصفهان وفوردو ونطنز بهدف تدميرها أو السيطرة على المواد المرتبطة بالبرنامج النووي من الداخل، وعلى رأسها مخزون اليورانيوم المخصب.
وأكدت صحيفة «التايمز»، أن خيار التدخل البري ينظر إليه كخيار صعب ومكلف قد يقود إلى حرب استنزاف طويلة، إلا أنه يظل أحد الخيارات التي تُناقش بجدية، مع اتساع فجوة النتائج بين الضربات العسكرية والهدف السياسي النهائي.
ووضعت الصحيفة البريطانية، جزيرة “خرج” فى صدارة الأهداف المحتملة، باعتبارها النقطة التي تمر عبرها غالبية صادرات النفط الإيرانية، وتتجاوز الجزيرة مجرد كونها منشأة نفطية، بل تشكل عقدة استراتيجية تجمع خطوط الأنابيب ومرافق التخزين والتحميل، وتقع فى مياه عميقة تسمح بحركة الناقلات الكبيرة، وتعني السيطرة عليها عملياً التحكم فى جزء كبير من القدرة التصديرية لإيران.
لكن هذا السيناريو ينطوي على مخاطرة عالية، فالجزيرة محمية بقوات كبيرة من الحرس الثوري، وأي إنزال بحري قد يتحول إلى مواجهة مباشرة ومكلفة. كما أن السيطرة عليها لن تكون عملية سريعة أو نظيفة، بل قد تتطلب تعزيزات تتجاوز حجم القوات المتاحة حالياً.
مع ذلك، تبقى القيمة السياسية لهذا الخيار كبيرة، إذ يمكن استخدام الجزيرة كورقة تفاوضية، إما للضغط لفتح مضيق هرمز أو لفرض شروط أوسع على طهران.
السيناريو الثانى والأكثر واقعية، وفق تحليل «التايمز»، هو تنفيذ عمليات محدودة تستهدف البنية العسكرية الإيرانية على طول الساحل، ويشمل هذا تدمير الزوارق السريعة، ومستودعات الطائرات المسيّرة، ومنصات إطلاق الصواريخ، إضافة إلى القدرات المرتبطة بزرع الألغام البحرية، والتى تُعد أخطر تهديد مباشر لحركة الملاحة.
تنفيذ مثل هذه العمليات قد يتم عبر إنزالات سريعة أو غارات قوات خاصة، وربما بدعم من حلفاء غربيين، لكنها تبقى عمليات عالية المخاطر، نظراً لطبيعة الساحل الإيراني الجبلية والمحصنة، والتي توفر بيئة مثالية لحرب غير متكافئة.
السيناريو الثالث، حسب الصحيفة البريطانية، هو احتلال محدود للساحل، وهو سيناريو أكثر تصعيداً يتجاوز فكرة الضربات المحدودة، نحو إنشاء موطئ قدم داخل الأراضي الإيرانية، عبر نقل قوات إلى الداخل باستخدام طائرات «أوسبرى» مثلاً.
والهدف هنا ليس احتلالاً شاملاً، بل إنشاء قواعد مؤقتة لتنفيذ عمليات متكررة أو فرض واقع عسكري جديد على الأرض.
هذا الخيار يفتح الباب أمام تصعيد واسع، فحتى السيطرة الجزئية على الساحل تتطلب قوات كبيرة، وقد تؤدى إلى انخراط طويل الأمد فى مواجهة مفتوحة.
أما السيناريو الرابع، والذى وصفته الصحيفة بالسيناريو المستحيل، فهو السيطرة الكاملة على الساحل الإيراني أو تأمين مضيق هرمز بشكل شامل حيث تشير التقديرات العسكرية التي نقلتها الصحيفة إلى أنه قد يتطلب مئات الآلاف من الجنود، وهو مستوى من الالتزام العسكري يبدو غير واقعي فى الظروف الحالية.
كما أن التاريخ العسكرى يقدم تحذيرات واضحة من هذا النوع من العمليات، التى قد تتحول إلى استنزاف طويل دون تحقيق أهداف حاسمة.
ومن بين الخيارات المطروحة أيضاً، دعم مجموعات كردية داخل إيران أو فتح جبهة من الأراضى العراقية، لكن هذا السيناريو يواجه قيوداً كبيرة، أبرزها ضعف تسليح هذه الجماعات، وتردد الحلفاء الإقليميين فى الانخراط فى مواجهة مباشرة مع طهران دون ضمانات واضحة.
وخلص تحليل «التايمز» إلى أن جميع الخيارات، لا تقدم طريقاً سريعاً لإنهاء الحرب، بل على العكس، قد تؤدى أى خطوة برية إلى توسيع نطاق الصراع، خاصة أن إيران لا تزال تمتلك أدوات تصعيد فعالة، من استهداف منشآت الطاقة الإقليمية إلى تعطيل الملاحة.
فى السياق ذاته، صرح الأدميرال المتقاعد مارك مونتجمرى لموقع «أكسيوس»، بأنه حتى لو تم الغزو البري والاستيلاء على جزيرة “خرج”، فلا يوجد ما يضمن أن الاستيلاء عليها سيقنع طهران بعقد السلام بشروط ترامب حيث إن مثل هذه المهمة قد تعرض القوات الأمريكية لمخاطر غير ضرورية نظراً لعدم وضوح النتائج المرجوة، وأضاف: «إذا استولينا على الجزيرة فسوف يقطعون إمدادات النفط .. نحن لا نتحكم فى إنتاجهم النفطي».
بدوره، حذر رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال دان كين، من أن نقص الذخيرة وعدم وجود دعم عسكرى واسع من حلفاء الولايات المتحدة الآخرين سيضيفان مخاطر كبيرة إلى أى عملية فى إيران، وفقا لـ «واشنطن بوست».
كما أن الدعم الشعبي الأمريكي لخيار إرسال قوات برية على الأرض ضعيف، حيث أظهرت استطلاعات الرأى أن 60% من الأمريكيين يعارضون نشر قوات برية فى إيران، ويمتد هذا الرفض حتى عبر الحزب الجمهورى، حسب «نيوزويك».
وعلى الجانب الإيرانى، لم تقف القيادة الإيرانية مكتوفة الأيدى أمام تلميحات الغزو البرى؛ حيث أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجى، أن بلاده استعدت لمواجهة أي سيناريو، موجها رسالة تحذير شديدة اللهجة للقوات الأمريكية قائلا: «نحن فى انتظارهم.. نحن واثقون من قدرتنا على مواجهتهم، وسيكون ذلك كارثة كبيرة لهم».
ويشير تقرير لوكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية، إلى أن إيران تمتلك أكبر برنامج منشآت تحت الأرض فى الشرق الأوسط، وأن فلسفة الدفاع السلبي لديها تقوم أساسا على التشتيت والتحصين والإخفاء. هذا يعنى أن المدافعين الإيرانيين لن يقاتلوا فقط من السطح، بل من بنية دفاعية مصممة أصلا لتقليل أثر الضربات الجوية ومنح الوقت للوحدات المدافعة كى تعيد تنظيم نفسها وترد على العدو.
فى النهاية، يقول مراقبون إن الغزو البري لبلد جبلي ضخم وكثيف السكان ثم محاولة السيطرة عليه، يتطلب أكثر من بضع مئات أو حتى آلاف من القوات.
وفى بلد تبلغ مساحته أكثر من مليون ونصف مليون كيلومتر مربع، ويعيش معظم سكانه على أطراف هضبة تحيط بها سلاسل جبلية، فإن التقدم البري سيكون أبطأ، وخطوط الإمداد أطول، والدفاع أسهل على الطرف الذى يقاتل من الداخل، إضافة إلى معضلة السيطرة على المدن الإيرانية الكبرى، ما يعنى أن الحرب البرية ستنزلق نحو حرب المدن الطويلة والمُكلفة. وفى هذا السيناريو، سيكون الاستنزاف البشري والعسكري كبيرا لواشنطن لا شك.
النقاشات الأمريكية نفسها حول الحرب الجارية تؤكد أن إرسال قوات برية إلى إيران يعنى الاستعداد لخسائر كبيرة، وأن السيطرة على بلاد بهذه السمات المعقدة قد تُفضى إلى نتيجة أسوأ من العراق، آخذين فى الاعتبار أن إيران لا تحتاج إلى هزيمة أمريكا عسكريا حتى تجعل الحرب كارثة بالنسبة لها، بل يكفيها فقط الصمود لأطول فترة ممكنة