يبدو أن العالم قد استيقظ أخيرًا ليكتشف أن الرجل كان مجرد "نسخة تجريبية" من كائن أكثر كفاءة، فتم شكره على جهوده وإحالته إلى التقاعد دون مكافأة نهاية خدمة.
ومع تسارع وتيرة التحديثات الاجتماعية، لم يعد أمامه سوى خيار واحد منطقي للغاية: الانسحاب بهدوء… قبل أن يُطلب منه ذلك رسميًا.
يا رجال العالم، انسحبوا فورًا، فالأمر لم يعد يحتمل التأخير. خذوا معكم فقط ما تبقى من دهشتكم، واتركوا خلفكم كل تلك الأفكار القديمة عن "الدور" و"القوامة" و"القيادة"، فقد أصبحت من الآثار التي يُنصح بعدم لمسها إلا بقفازات نقدية معقمة.
انسحبوا بهدوء، دون ضجيج، فالعالم مشغول الآن بندوة أخرى عن "التمكين"، ولا وقت لديه ليستمع إلى صوتكم… إلا إذا كان اعتذارًا.
في السابق - ويا لها من جريمة تاريخية- كان الرجل يظن أنه عنصر أساسي في المعادلة. كان يدخل الحياة من بابها الرئيسي، لا يحتاج إلى إذن، ولا يراجع تعريف نفسه كل صباح قبل القهوة. كان يخطئ، نعم، لكنه كان يخطئ بثقة؛ أما اليوم، فهو يصيب بتردد، ويعتذر عن الإصابة خشية أن تكون غير مناسبة للسياق العام.
ثم جاء زمن "التمكين"، ذلك الكائن اللطيف في ظاهره، الذي بدأ كفكرة عادلة وانتهى كماراثون لا خط نهاية له.
كلما ظننت أن السباق وصل إلى غايته، اكتشفت أن خط النهاية قد تحرك بضعة أمتار إلى الأمام - حرصًا على العدالة طبعًا.
التمكين اليوم ليس هدفًا، بل حالة دائمة، مثل اشتراك شهري لا يمكنك إلغاؤه، حتى لو شعرت أنك لم تعد تستخدم الخدمة.
والرجل؟ آه، الرجل… أصبح مشروعًا قيد التعديل. نسخة تجريبية من نفسه، تُحدَّث باستمرار دون أن يُسأل إن كان يوافق على الشروط والأحكام.
يُطلب منه أن يكون قويًا، لكن دون أن يبدو كذلك، حاسمًا لكن دون أن يجرح المشاعر، حاضرًا لكن دون أن يحتل مساحة.
باختصار، يُطلب منه أن يكون "مناسبًا" في كل الظروف، وهي صفة لم ينجح في تحقيقها حتى الطقس.
في البيت، حيث كان يُقال إن الأمور أكثر وضوحًا، تحولت الحياة إلى ما يشبه اجتماع مجلس إدارة دائم. كل قرار- مهما كان بسيطًا- يحتاج إلى نقاش، وربما مراجعة، وربما إعادة تصويت.
أما الخطاب العام، فقد ارتفع إلى درجة تجعل أي محاولة للفهم تبدو كأنها تقصير. لا يكفي أن تتفق، يجب أن تتحمس. لا يكفي أن تدعم، يجب أن ترفع الصوت. لا يكفي أن تكون محايدًا، فالحياد في هذه الحالة تهمة بحد ذاته. وهكذا، يجد الرجل نفسه في موقف غريب: إذا تكلم، فهو متهم؛ وإذا صمت، فهو متهم بطريقة أكثر أناقة.
والأجمل - أو الأشد مرارة- أن "الهيمنة" أصبحت كلمة مرنة، قابلة لإعادة التدوير حسب الحاجة. كانت يومًا تشير إلى طرف واحد، ثم أصبحت فجأة تهمة جاهزة لأي سلوك لا ينسجم مع المزاج العام. وإذا حاولت أن تشير إلى اختلال معاكس، قيل لك بلطف شديد: "هذا ليس وقتك للحديث".
في خضم هذا كله، يبدو أن الهدف لم يعد تحقيق توازن بقدر ما هو الحفاظ على زخم المطالبة. فالتوقف يعني الاكتفاء، والاكتفاء خطر، لأنه قد يفتح الباب لسؤال مزعج: وماذا بعد؟ لذلك، يستمر الخطاب، يتمدد، يتشعب، يبتكر قضايا جديدة، لا لأن الواقع يفرضها دائمًا، بل لأن الحركة نفسها أصبحت ضرورة.
الرجل، المسكين في هذه القصة - أو هكذا يحب أن يعتقد- يحاول أن يلحق بالركب. يقرأ، يستمع، يعتذر، يعدل سلوكه، يعيد صياغة جُمله، يختار كلماته كما لو كان يسير في حقل ألغام لغوي. ومع ذلك، يكتشف أن الخطأ لا يحتاج إلى جهد كبير؛ يكفي أن يكون "غير محدث" بالنسخة الأخيرة من الوعي.
والمفارقة التي تستحق التأمل، أو الضحك الأسود، أن الجميع يتحدث عن العدالة، لكن القليل فقط يتحدث عن التوازن. لأن التوازن ممل، لا يصلح للعناوين، ولا يثير الحماس. أما الصراع، فهو مادة ممتازة للنقاش، وقود لا ينتهي، يضمن استمرار الندوات والمقالات والتغريدات.
لذلك، يا رجال العالم، انسحبوا… ولكن لا تقلقوا، لن يلاحظ أحد غيابكم فورًا. فالمشهد مكتمل، والحوارات مستمرة، والقرارات تُتخذ، والعالم يمضي قدمًا. وربما، بعد فترة، سيُكتشف أن الانسحاب لم يكن ضروريًا أصلًا، وأن وجودكم - بنسختكم الجديدة أو القديمة - لم يكن المشكلة الوحيدة، ولا الحل الوحيد.
لكن إلى أن يحدث ذلك، يمكنكم الجلوس في الصف الخلفي، تراقبون المشهد، تبتسمون بسخرية خفيفة، وتحاولون فهم كيف تحولت قصة البحث عن التوازن إلى سباق لا يريد أحد أن يفوز فيه بقدر ما يريد أن يظل جاريًا.
وفي النهاية، إذا سُئلتم عن دوركم في هذا العالم الجديد، يمكنكم الإجابة ببساطة شديدة، وبنبرة تليق بالمقام:
"كنا هنا… ثم قررنا أن نكون أقل إزعاجًا."