في زمن تتبدل فيه العلاقات سريعًا، تظل حكاية الفنان الكبير يحيى الفخراني وزوجته الكاتبة والطبيبة لميس جابر نموذجًا نادرًا لعلاقة إنسانية نضجت بهدوء، ونجحت في اختبار الزمن لأكثر من 50 عامًا، دون أن تفقد دفئها الأول.
البداية لم تكن قصة حب تقليدية، بل صداقة تشكلت داخل أروقة كلية الطب بجامعة عين شمس.
كانت لميس طالبة في بداياتها، بينما كان الفخراني قد سبقها بعدة سنوات، إلى أن جمعتهما خشبة المسرح الجامعي، حيث بدأ التعارف الحقيقي يتجاوز حدود الزمالة.
تحكي لميس أن أول انطباع لها عنه كان بسيطًا وعابرًا، شاب ممتلئ الوجه، خجول الحضور، لكن مع الوقت، ومع تكرار اللقاءات والبروفات، بدأت المسافات بينهما تضيق، حتى جاءت اللحظة الفارقة.
في أحد العروض المسرحية، أخطأ الفخراني في مشهد مهم، فانسحب غاضبًا خلف الكواليس، لكن لميس لم تتركه أسير انفعاله، اقتربت منه، وذكرته بجمهوره، وبمسؤوليته تجاههم، فأعادته إلى المسرح من جديد.
لحظة تصفيق الجمهور له كانت كفيلة بإشعال شرارة حب حقيقية، بدأت من موقف دعم وانتهت بعلاقة عمر.
ورغم أن لميس تؤكد أنه كان حبها الأول والوحيد، فإن الفخراني يعترف بخفة ظل أنه مر بتجارب إعجاب سابقة، لكنه يرى أن القدر كان يدخر له الاستقرار الحقيقي معها.
اللافت في هذه العلاقة ليس فقط طول مدتها، بل طبيعة الاختلاف بين الطرفين. لميس، المرأة الصعيدية ذات الخلفية المسيحية والعقلية الجريئة والميول السياسية، تقف على النقيض من الفخراني، الرجل العاطفي المحافظ، البعيد عن السياسة، والذي ينتمي لبيئة مختلفة تمامًا.
لكن هذا التناقض لم يكن عائقًا، بل تحول إلى سر من أسرار الاستمرار، وتصفه لميس ببساطة: "كنا زي المغناطيس"، في إشارة إلى أن الاختلاف خلق تكاملًا لا صراعًا.
هذا التفاهم انعكس على تفاصيل الحياة اليومية، حتى في الأمور الحساسة، حيث احترم كل طرف معتقدات الآخر، دون فرض أو صدام. وتكشف لميس أنها كانت تحرص على دعم أبنائها في الالتزام الديني، كلٌ وفق معتقده، في نموذج نادر للتسامح داخل الأسرة الواحدة.
لم تكن حياتهما مفروشة بالورود في بدايتها؛ تزوجا دون امتلاك شقة، وعاشا على أثاث بسيط، بل إن لميس استمرت في عملها بالريف لسنوات قبل أن تستقر حياتهما.
ومع ذلك، لم يتحول ضيق الحال إلى أزمة، بل كان وقودًا لمزيد من التماسك.
وحين قرر الفخراني ترك الطب والتفرغ للفن، كان الدعم الحقيقي يأتي من زوجته، التي آمنت بموهبته قبل أن يؤمن بها الجمهور، فزاد ذلك من عمق العلاقة بينهما.
حتى في المواقف الصعبة، ظلت لميس شريكًا حقيقيًا، كما حدث حين رفض الفخراني عرضًا إعلانيًا مغريًا بمبلغ ضخم، متمسكًا بمبادئه، لتقف بجانبه مؤكدة أن القيمة لا تُقاس بالمال.
وبخبرة عمر طويل، يختصر الثنائي فلسفة الزواج في كلمتين هم الصدق والعطاء.
يرى الفخراني أن الاختيار الصادق هو أساس أي علاقة ناجحة، محذرًا من الزواج القائم على المال أو الشكل، لأن كل ذلك زائل، بينما يبقى الجوهر.
ويترك لنا مقولة تلخص تجربته: "في حاجتين يتعملوا لوجه الله الفن والجواز"، في إشارة إلى أن النية الخالصة وحدها قادرة على حماية العلاقة من تقلبات الحياة.
هكذا، لم تكن قصة يحيى الفخراني و لميس جابر مجرد زواج طويل، بل حكاية إنسانية عن الاحتواء، والاختلاف الذي لا يفسد الحب، والدعم الذي يصنع عمرًا كاملًا من المودة والرحمة.