استراتيجية الحرب الإيرانية لضرب الاقتصاد العالمي

استراتيجية الحرب الإيرانية لضرب الاقتصاد العالميالحرب الإيرانية

أزمات سلاسل الإنتاج بدءًا من النفط إلى الغذاء إلى الأسواق.. كيف غيرت الحرب على إيران وجه الاقتصاد العالمي؟ وكيف تؤثر فى تغيير مفاهيم الأمن القومي للدول خلال المرحلة المقبلة؟ تداعيات الحرب فى الشرق الأوسط على سلاسل التوريد العالمية خلال تعطيل أسواق الطاقة، وتأخير خطوط الشحن، وزيادة تكاليف النقل، وتقييد الوصول إلى المواد الخام الأساسية، نظراً للترابط الوثيق بين سلاسل التوريد الحديثة، كشفت عن العديد من المستجدات الجيوسياسية، من أهمها أن النزاعات الإقليمية تُحدث آثاراً متسلسلة تؤثر على التجارة العالمية وأسعار السلع اليومية، نتيجة للتأثيرات الكارثية لهذه الصراعات على سلاسل التوريد العالمية، وهو ما يضع النظام العالمي أمام مستجدات جيوسياسية تستوجب تغيير مفاهيم الأمن القومي للدول خلال المرحلة المقبلة نتيجة لتداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية الكارثية على سلاسل التوريد العالمية، هذا ما أكدته تقارير صادرة عن منظمات أممية، مراكز بحثية ووسائل إعلام عالمية، رصدت التداعيات السلبية للحرب فى الشرق الأوسط على سلاسل التوريد العالمية، ومخاطر الصراعات والاضطرابات الجيوسياسية، على أمن واستقرار الشعوب... السطور التالية تسلط الضوء على كافة التفاصيل .

كشفت رؤية تحليلية طرحها “مجلس العلاقات الخارجية” وهو منظمة بحثية أمريكية مستقلة، هدفها تحليل سياسة الولايات المتحدة الخارجية والوضع السياسي العالمي، أنه مع تأثر حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، فإن التأثير على صادرات الأسمدة العالمية هائل وسيُحدث آثارًا متسلسلة متتالية، ويرجع السبب إلى أن دول العالم كانت تعتمد بشكل متزايد على دول الخليج لتعويض خسائر الأسمدة الناجمة عن الحرب فى أوكرانيا وتزايد القيود الصينية على الصادرات، إلا أنه مع مرور ربع إنتاج الأسمدة العالمي تقريبًا عبر مضيق هرمز، بدأت الأسعار بالارتفاع بشكل حاد، فى الشرق الأوسط، على سبيل المثال ارتفع سعر اليوريا بنسبة 19% خلال أسبوع واحد، مما خلق تحديات مالية جديدة للقطاعات الزراعية فى جميع أنحاء العالم.
التسليح المنهجي للغذاء والماء
وبحسب الرؤية التحليلية أجمعت نتائج العديد من دراسات الحالة البارزة والموثقة جيداً للمواجهات العسكرية على مدار السنوات الأخيرة فى غزة والسودان، وتيجراي، واليمن، أن تسليح الغذاء قد يتخذ أشكالاً مختلفة، كالتلاعب بالمساعدات الغذائية، واستخدام الغذاء كأداةٍ للتجنيد والاحتفاظ بالعمال، واستهداف البنية التحتية الزراعية.
وأضافت أن تحليل أحداث الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران والرد الإيراني يشير إلى أن التسليح الممنهج للغذاء والماء والأسمدة فى منطقة تعاني من العطش، يُعدّ أول صراع حقيقي فى القرن الحادي والعشرين يُمكن أن يُطلق العنان لمجاعة بطيئة، لا تُعتبر المياه والغذاء من الشواغل الإنسانية على هامش الصراع، لافتا إلى أنه نظرًا لضيق هامش الخطأ فيما يتعلق بإمدادات المياه والغذاء فى المنطقة، فإنهما يُصبحان بسرعة أهم ميادين الصراع، وأنه على نطاق واسع من منطلق هذه التطورات، ينبغي اعتبار الصدمة الناتجة عن نقص الأسمدة بسبب الحروب، بالإضافة إلى مواسم النمو المتأثرة بتغير المناخ، ونقص محزونات الحبوب، والحكومات المثقلة بالديون، تهديدًا للعالم أجمع، وإذا لم يُعالج هذا الأمر، فإنه قد يحوّل نزاعًا عسكريًا إقليميًا إلى أزمة إنسانية عالمية.
واستخلصت الرؤية التحليلية البحثية، أنه رغم أن بعض هذه الاستراتيجيات لتسليح الغذاء استُخدمت لقرون، إلا أن التحليل المعمق لدراسات الحالة الحديثة يكشف عن سمة جديدة: وهي النطاق العالمي لتسليح الغذاء والماء واستخدامها لتحقيق أهداف جيوسياسية، مما يستوجب الاستجابات اللازمة لردع أنواع جديدة من التهديدات الأمنية، بما فى ذلك تسليح الغذاء على نطاق عالمي، فى ضوء ما كشفت عنه الحرب فى الشرق الأوسط وهو مدى هشاشة الأمن الغذائي أمام تطور الأزمات الجيوسياسية.
وأكدت الرؤية التحليلية البحثية التي طرحها “مجلس العلاقات الخارجية” الأمريكي فى ضوء هذه التهديدات غير التقليدية واستراتيجيات التسلح الجديدة، أن السياسة الخارجية، التي لطالما ركزت على تعزيز مصالح دولة واحدة، أصحبت معنية تُعنى بشكل متزايد بحل المشكلات الوطنية والإقليمية والعالمية التي تؤثر على الجميع بطرق متعددة وغير متوقعة فى كثير من الأحيان.
مضيق هرمز
وكشف تحقيق استقصائي أعدته شبكة هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” أن أسعار مجموعة واسعة من السلع - من المواد الغذائية إلى الهواتف الذكية والأدوية تتأثر بالحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، نتيجة الاضطرابات فى سلاسل الإمداد، لافتة إلى أن انقطاع إمدادات النفط والغاز عبر مضيق “هرمز” بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران أدى إلى ارتفاع حاد فى أسعار الطاقة العالمية، مما انعكس على ارتفاع فواتير الاستهلاك المنزلي للطاقة فى جميع أنحاء العالم، إلا أن تأثير الصراع لم يقتصر على الوقود فقط، بل تأثرت أيضًا مجموعة كبيرة من المواد الكيميائية والغازات والمنتجات الأخرى ذات الأهمية الحيوية، والتي تدخل عادةً سلاسل التوريد الدولية عبر مضيق “هرمز” .
وبحسب ما كشفه تحقيق هيئة الإذاعة البريطانية تعد الأسمدة والمواد الغذائية من أكثر السلع تأثر بالخلل فى سلاسل الإمداد، حيث تُستخرج المواد البتر وكيماوية من النفط والغاز، وتُنتج بكميات كبيرة للتصدير من دول منطقة الخليج، وتُعدّ الأسمدة من أهم هذه المواد، نظرًا لأهميتها للإنتاج الزراعي العالمي.
وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية ووفقًا للأمم المتحدة، يمرّ نحو ثلث الأسمدة فى العالم، مثل اليوريا والبوتاس والأمونيا والفوسفات، عبر مضيق “هرمز”، ويعتمد صغار المزارعين بشكل كبير على تسميد محاصيلهم باليوريا.
وبحسب “هيئة الإذاعة البريطانية” حذر محللون من أن نقص هذه الأسمدة من المرجح أن يُلحق ضرراً بالغاً بالإنتاج الزراعي حالياً، لأن شهري مارس وأبريل هما موسم الزراعة فى نصف الكرة الشمالي، وانخفاض استخدام الأسمدة حالياً من قبل المزارعين سيؤثر على المحاصيل لاحقاً خلال العام.
ووفقاً لباحثين فى معهد “كيل” الألماني للاقتصاد العالمي تحدثوا مع “هيئة الإذاعة البريطانية” فإن “إغلاقاً قصيراً نسبياً قد يُعطّل موسم النمو بأكمله، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على الأمن الغذائي تستمر لفترة طويلة بعد إعادة فتح المضيق”.
مستويات قياسية من الجوع
وحذر تقرير أعده “برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة” من أن الصراع فى الشرق الأوسط يُهدد بمستويات قياسية من الجوع، حيث يُؤدي إلى نزوح العائلات وتقييد الوصول إلى الغذاء بشكل حاد، مما يُفاقم الجوع، نتيجة لإنقطاع خطوط الإمداد وارتفاع الأسعار.
وأوضح أن اضطرابات الحدود والأسواق تؤدي إلى ارتفاع حاد فى أسعار المواد الغذائية، وخاصة الأطعمة الطازجة، لافتًا إلى أنه حتى فى المناطق التي استؤنف فيها الوصول المحدود، لا تزال الأسعار مرتفعة والإمدادات محدودة، وأنه على سبيل المثال فى إيران، يُضعف التضخم الغذائي المرتفع قدرة الأسر على استيعاب الصدمات الجديدة.
وأرجع تقرير الأمم المتحدة السبب الى أن التصعيد يحدث فى منطقة محورية لإمدادات الوقود العالمية وطرق الشحن، وأنه عندما تتعطل هذه الأنظمة، يمكن أن ترتفع تكلفة نقل الغذاء والوقود والسلع الأخرى مثل الأسمدة بشكل كبير.
وبحسب التقرير الأممي تواجه سلاسل الإمداد الإنساني بعضًا من أشد الاضطرابات التي شهدتها منذ جائحة كوفيد-19 والحرب فى أوكرانيا، نتيجة المخاطر الأمنية فى الممرات البحرية الرئيسية التي أدت إلى تأخيرات وتغييرات فى مسارات النقل وارتفاع حاد فى تكاليف نقل المساعدات الغذائية المنقذة للحياة، كم أن تكاليف الوقود والنقل المرتفعة تؤثر على النظام الغذائي بأكمله، مما يزيد الأسعار فى الأسواق المحلية البعيدة عن الشرق الأوسط.
الدول الأكثر عرضة للخطر
ووفقا للتقرير الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء والوقود والأسمدة معرضة بشكل خاص لصدمات الأسعار العالمية، لافتا إلى أنه فى أجزاء من أفريقيا جنوب الصحراء، يواجه المزارعون الذين يدخلون موسم الزراعة خطر عدم القدرة على معالجة محاصيلهم، مما يؤدي إلى انخفاض المحاصيل وارتفاع أسعار المواد الغذائية فى الأشهر المقبلة، وحتى الزيادات الطفيفة فى التكاليف قد تدفع الأسر الضعيفة إلى أزمة.
وأضاف أن تداعيات تصاعد الصراع فى الشرق الأوسط تمتد لتشمل أجزاءً من آسيا، حيث تعتمد اقتصاديات عديدة على الواردات، وتواجه الأسر بالفعل صعوبة فى الحصول على الغذاء، فى أفغانستان، تُضاف هذه الأزمة إلى أزمات متعددة تُؤثر على الأسر الضعيفة، بما فى ذلك الصراع مع باكستان وزلزالان كبيران فى عام 2025. وقد يُجبر تصاعد الصراع الأفغان فى إيران على العودة إلى ديارهم، حيث قد يواجهون صعوبة فى الحصول على الغذاء.
وبحسب التقرير إذا استمر التصعيد وبقيت أسعار الوقود مرتفعة، فقد تكون عواقب الجوع العالمي وخيمة، وتشير تحليلات برنامج الأغذية العالمي إلى أن
45 مليون شخص إضافى قد يُدفعون إلى براثن الجوع الحاد بسبب ارتفاع تكاليف الغذاء والوقود واضطرابات سلاسل الإمداد، ما سيرفع العدد الإجمالي العالمي إلى رقم قياسي يبلغ 363 مليون شخص.
وأضاف أنه فى الوقت نفسه، يُشكل ارتفاع تكاليف التشغيل وانخفاض التمويل بشكل حاد ضغطًا إضافيًا على الاستجابات الإنسانية، وقد ارتفعت تكاليف الشحن لبرنامج الأغذية العالمي بالفعل بشكل حاد، ما يعني انخفاض كمية الغذاء التي يمكن شراؤها وتوصيلها بالموارد المتاحة.
بدون ضمانات وصول مضمونة، وبنية تحتية محمية، وتمويل عاجل، قد تتلاشى المكاسب الأخيرة فى مكافحة الجوع فى بعض أكثر المناطق هشاشة فى العالم. إن التحرك الآن لحماية الوصول إلى الغذاء، ودعم الأسر النازحة، واستدامة سلاسل الإمداد الإنساني، من شأنه أن يساعد فى منع تفاقم أزمة الجوع العالمية.
وأوضح تقرير أعدته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أن سلاسل الإمداد الغذائي العالمي تواجه اختناقًا خطيرًا نتيجة نتيجة للتوترات فى الشرق الأوسط، نتيجة أسعار الأسمدة بسبب الاضطرابات فى الشرق الأوسط، مما يعرض الإمدادات الغذائية العالمية للخطر.
وأشار التقرير إلى أن المشكلة تتفاقم بسبب عجز كبار مُصدّري الأسمدة عن زيادة شحناتهم بسرعة لتعويض الخسائر فى الشرق الأوسط، ويعود ذلك جزئيًا إلى تداعيات الصراع .
وقد اشترى العديد من المزارعين الأمريكيين، الذين تضررت هوامش أرباحهم بالفعل جراء الصدمات الجمركية ونقص العمالة، الأسمدة للموسم، لكن أولئك الذين لم يفعلوا ذلك قد يواجهون ارتفاعًا فى الأسعار. وتُعدّ الولايات المتحدة منتجًا رئيسيًا للأسمدة على مستوى العالم، لكنها لا تزال تستورد كميات من الأسمدة تفوق صادراتها، بما فى ذلك من كندا وروسيا وقطر.
وفقا للتقرير فى محاولة للمساعدة فى تخفيف حدة ارتفاع الأسعار، رفعت إدارة ترامب العقوبات المفروضة على مبيعات الأسمدة من بيلاروسيا وفنزويلا، وتطالب منظمات المزارعين بالمزيد، بما فى ذلك إلغاء الرسوم الجمركية على أسمدة الفوسفات من المغرب وروسيا.
غيّرت وجه العالم الاقتصادي
من النفط إلى الغذاء إلى الأسواق، الحرب على إيران غيّرت وجه العالم الاقتصادي، هذا ما أكده تقرير أعدته صحيفة “بزنس إنسايدر” الأمريكية، لافتا إلى أن الحرب فى الشرق الأوسط، أحدثت اضطرابًا كبيرًا فى الاقتصاد العالمي، على كافة مستويات النشاط الاقتصادي، بدأ من أسعار النفط إلى التضخم وحركة السفر الجوي، مما يؤثر على المستهلكين فى كل مكان.
وأوضح أنه رغم أن إمدادات النفط تستحوذ على معظم عناوين الأخبار، إلا أنه هناك سلع أخرى تواجه أيضًا اضطرابات فى سلاسل التوريد وستؤثر هذه السلع على كل شيء بدءًا من ثورة الذكاء الاصطناعي وصولًا إلى أسعار الغذاء.
وبحسب التقرير حذر “فاتح بيرول”، رئيس وكالة الطاقة الدولية، للصحفيين فى أستراليا من أن الصدمة فى إمدادات الطاقة تهدد برفع التضخم، ما قد يعني ارتفاع أسعار الفائدة، الأمر الذي قد يؤدي إلى ركود اقتصادي، كما يحذر بعض الاقتصاديين من ركود تضخمي كارثي على غرار ما حدث فى سبعينيات القرن الماضي، وهو مزيج كارثي من ارتفاع الأسعار، وتوقف الاقتصاد، وتزايد البطالة.
وبحسب التقرير تُلحق تداعيات الأحداث أضرارًا بالغة بسلاسل إمداد مواد أساسية كالهيليوم، وهو عنصر حيوي فى رقائق أشباه الموصلات التي تُشغل ثورة الذكاء الاصطناعي، والأسمدة، ما قد يؤدي مع مرور الوقت إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية .

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان