هدنة على حافة الانفجار !

هدنة على حافة الانفجار !الهدنة

عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين مع إيران، كشفت ردود الفعل داخل إسرائيل، عن انقسام حاد رسميا وشعبيا بين ضرورات التهدئة والمخاوف من فقدان الردع، وهو ما ينذر بأن يكون وقف إطلاق النار بين تل أبيب وطهران مجرد هدنة هشة تسبق جولة جديدة من التصعيد بين الجانبين قد تكون أكثر اتساعًا وخطورة.

أبرزت الصحف الإسرائيلية حالة الانقسام العميق داخل دوائر صنع القرار فى تل أبيب بشأن الهدنة مع إيران ، حيث أبدت الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو دعمًا حذرًا للخطوة، مع التأكيد على عدم الالتزام بوقف العمليات على جميع الجبهات، خاصة فى لبنان.

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، أن إسرائيل لم تكن سعيدة عندما علمت أن الصفقة تمت صياغتها، وذلك لأنها تمت دون موافقتها، ولم تكن رسمياً طرفا فى المحادثات التى سبقت التوصل للهدنة.

وحسب وسائل إعلام عالمية، أبرزها «رويترز» و”الجارديان”، فإن إسرائيل أعلنت بوضوح أنها ستواصل عملياتها فى بعض الساحات، ما يعكس تعاطيًا انتقائيًا مع الهدنة، ويؤكد أن الاتفاق لا يمثل نهاية للتوتر، بل مجرد هدنة هشة تحكمها حسابات معقدة ومخاوف متبادلة.

واعتبرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، أن الهدنة تضع حكومة نتنياهو أمام اختبار صعب بين الحفاظ على التحالف مع دونالد ترامب من جهة، وتجنب الانتقادات الداخلية من التيارات اليمينية التى ترفض أى تهدئة مع طهران من جهة أخرى.

على جانب آخر، عكست ردود فعل وسائل الإعلام الإسرائيلية نفسها تباينًا واضحاً فى المواقف، إذ حذّرت “هآرتس” من أن الهدنة قد تمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب قدراتها العسكرية، معتبرة أنها قد تُضعف من سياسة الردع، بينما رأت صحيفة « يديعوت أحرونوت »، أن التهدئة تمثل خيارًا واقعيًا لتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، رغم استمرار الشكوك حول نوايا إيران.

فى الوقت الذي قال فيه موقع «كلكاليست» الإسرائيلى، إن إسرائيل تقف بعد الهدنة فى نهاية أغلى حرب فى تاريخها، وعلى عتبة واقع أمني أسوأ، فلم تُغيّر نحو 60 مليار شيكل و40 يومًا من القتال المشهد الاستراتيجى؛ إذ إن احتمال انتهاء الحرب الإيرانية الثانية باتفاق بين الولايات المتحدة و إيران قد يُقيّد من قدرة إسرائيل على التحرّك ضدها مستقبلًا.

وأضاف «كلكاليست»، أن إسرائيل لم تتحقق أهدافها المعلنة من الحرب، والتى تمحورت حول السيطرة على اليورانيوم المخصب فى إيران، وإسقاط النظام، وتدمير منظومات الصواريخ الباليستية، ووقف تمويل المنظمات الوكيلة فى الشرق الأوسط.

وانتقد الموقع رئيس الوزراء الإسرائيلى قائلا: « نتنياهو الذي نشر قبل ساعات من وقف إطلاق النار فى إيران مقطع فيديو كرر فيه شعاراته حول «سحق إيران»، اختفى والتزم الصمت. وأدلى بتصريحه الوحيد حول الموضوع قبل دقائق من الساعة السادسة صباحاً باللغة الإنجليزية».

فى السياق ذاته، أعرب مسئول عسكري إسرائيلي كبير لقناة «كان» العبرية عن استيائه من وقف إطلاق النار، قائلاً: «الإعلان عن وقف إطلاق النار جاء فى وقت لم تتحقق فيه الأهداف المركزية للعملية العسكرية، وخاصة التهديد النووي، وجميع الأهداف التي حُددت كأهداف رئيسية، بما فى ذلك إسقاط النظام الإيراني وضرب المشروع النووي».

وأضاف المسئول العسكرى، أن الجيش الإسرائيلى لم يحقق الهدف الأساسى فى لبنان، حيث لم يتم نزع سلاح حزب الله، وإن كان قد ضعف، كما أن التهديد على مستوطنات الشمال لا يزال موجودا.

من جانبه، قال زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد، إن التهديد الذى يواجه سكان إسرائيل ما زال قائما وإن نتنياهو فشل و«إسرائيل بحاجة إلى قيادة ذات خبرة».

وفى نفس السياق، وصف المحلل السياسى أورى مسجاف، فى مقالة بصحيفة «هآرتس»، رئيس الوزراء الإسرائيلى بالرجل الخاسر الذي ألحق بإسرائيل، فى أقل من ثلاث سنوات، أكبر ثلاث هزائم استراتيجية فى تاريخها: 7 أكتوبر، والحرب التي استمرت عامين فى غزة وشمال البلاد وانتهت دون هزيمة حماس وحزب الله، والآن، جرّ إدارة ترامب إلى حرب مشتركة مع إيران، مضيفا أن نتنياهو لم يلجأ إلا إلى حروب طويلة تُشنّ على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، لا تنتهى بالنصر أبداً، ولا تُفضى إلى اتفاقيات دائمة أو أفق سياسى واضح.

وتابع مسجاف، أن مؤيدى نتنياهو من الإسرائيليين يتحملون معه مسئولية الفشل، فقد أيدت غالبية الشعب الإسرائيلى، ووسائل الإعلام الإسرائيلية، وما يُسمى بالمعارضة الإسرائيلية، الحرب على حماس، والحرب ضد إيران وآمنت بعدالتها المطلقة، وإمكانية تحقيق أهدافها الوهمية.

على مستوى الشارع الإسرائيلي، عكست التغطيات الإعلامية حالة من القلق والترقب، حيث أبدى قطاع من الإسرائيليين تخوفه من أن تتحول الهدنة إلى فرصة ضائعة لتقليص قدرات إيران، فيما فضّل آخرون التهدئة المؤقتة خشية الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة قد تمتد آثارها إلى الداخل الإسرائيلي.
وأشارت تحليلات نشرتها صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، إلى أن الرأي العام بات منقسمًا بين تيار يدعم إعطاء المسار الدبلوماسي فرصة، وتيار آخر يرى أن أي التهدئة دون تحقيق مكاسب واضحة تمثل تراجعًا استراتيجيًا. كما نقلت استطلاعات غير رسمية تداولتها وسائل إعلام عبرية أن نسبة ملحوظة من الإسرائيليين لا تثق فى إمكانية التوصل إلى اتفاق دائم مع إيران، ما يعكس أزمة ثقة عميقة تتجاوز الحكومة إلى المجتمع.

هذه المؤشرات تشير فى مجملها إلى أن الهدنة، قد تتحول إلى عامل ضغط داخل إسرائيل، سواء على المستوى السياسي أو الشعبى، فى ظل استمرار الشكوك حول نوايا إيران، وعدم وضوح ما إذا كانت هذه الخطوة تمهد لاتفاق أوسع، أم أنها مجرد استراحة قصيرة تسبق جولة جديدة من التصعيد.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان