مصر .. «محطة إجبارية» فى خريطة الأمن القومي العالمي للطاقة والغذاء

مصر .. «محطة إجبارية» فى خريطة الأمن القومي العالمي للطاقة والغذاءمحطة تسييل إدكو

تتسارع خُطى القاهرة لتكريس مكانتها كلاعب محوري فى معادلة الأمن الاستراتيجي العالمي، مستندة إلى أرقام تعكس طفرة غير مسبوقة فى بنيتها التحتية، ففي قطاع الطاقة، نجحت مصر فى التحول إلى "مفتاح" غاز شرق المتوسط بامتلاكها محطتي تسييل فى إدكو و دمياط ، مما مكنها من استقبال وتصدير كميات ضخمة للأسواق الأوروبية، مدعومة باكتشافات كبرى يتصدرها حقل "ظهر" باحتياطيات تُقدر بنحو 30 تريليون قدم مكعب من الغاز.

هذا الثقل الطاقي لم ينفصل عن طموح مماثل فى قطاع الغذاء، حيث كشفت بيانات وزارة التموين عن قفزة هائلة فى السعات التخزينية للحبوب، ارتفعت من 1.2 مليون طن قبل عقد من الزمان إلى 3.4 مليون طن حالياً، مع استهداف الوصول إلى 6 ملايين طن قريباً عبر المشروع القومي للصوامع، وهو ما خفض معدلات الهدر فى المحاصيل الاستراتيجية من 20% فى "الشون الترابية" القديمة إلى أقل من 4% فى المنظومة الحديثة.

وعلى وقع هذه الأرقام، تبرز أهمية المقترح الروسي الأخير بإنشاء مركز لوجستي للحبوب والطاقة فى مصر، وهو مشروع يستهدف استغلال الموقع الجغرافى الذي تمر عبره 12% من حركة التجارة العالمية عبر قناة السويس ، لتحويل مصر من أكبر مستورد للقمح عالمياً (بواقع 12 مليون طن سنوياً) إلى منصة لإعادة توزيع أكثر من 30 مليون طن من الحبوب الروسية نحو الأسواق الأفريقية والشرق أوسطية ، وتتزايد الجدوى الاقتصادية لهذا التحول مع قرارات اعتماد الجنيه المصري ضمن سلة العملات المعترف بها لدى البنك المركزي الروسي، مما يفتح الباب أمام تسوية المبادلات التجارية بعيداً عن ضغوط العملات الأجنبية.

إن هذه الأرقام والتحركات الجيوسياسية تؤكد أن مصر لم تعد مجرد ممر تجاري، بل باتت مركز ثقل لوجستيا يمتلك القدرة الفنية والتخزينية لإدارة تدفقات الطاقة والغذاء، بما يضمن استدامة سلاسل الإمداد فى منطقة تستهلك وحدها أكثر من 25% من صادرات الحبوب العالمية، مما يجعل من القاهرة "الرقم الصعب" فى خريطة التوازن الاقتصادي الدولي الجديد.

الحديث عن مصر كمركز إقليمي للطاقة يبدأ بالضرورة من البحر المتوسط، حيث أصبحت القاهرة المحرك الرئيسي لـ "منتدى غاز شرق المتوسط"، وهو الكيان الذي استطاع توحيد الرؤى بين الدول المنتجة والمستهلكة، محولاً التنافس إلى تعاون بناء يخدم الجميع، وتبرز أهمية مصر هنا فى امتلاكها لأصول استراتيجية نادرة، تتمثل فى محطتي تسييل الغاز الطبيعي فى "إدكو" و"دمياط"، وهما المحطتان اللتان تمنحان مصر ميزة تنافسية لا تضاهى، إذ تتيحان تحويل الغاز القادم من مختلف حقول المنطقة إلى سائل يمكن نقله بسهولة عبر السفن إلى الأسواق العالمية، خاصة فى ظل سعي أوروبا الحثيث لتنويع مصادر طاقتها، وهو ما جعل المحطات المصرية "بوابة ذهبية" لمرور الطاقة نحو الشمال .

الأمن الغذائي

هذا النجاح فى قطاع الطاقة يتوازى مع تحرك لا يقل أهمية فى قطاع الأمن الغذائي، حيث يؤكد الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، أن الدولة المصرية قطعت شوطاً كبيراً فى تطوير منظومة تداول وتخزين الحبوب، مشيراً إلى أن هذه الرؤية المتكاملة تستهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجارة الحبوب، وهي رؤية لا تتوقف عند حدود الشراء بأسعار مناسبة، بل تمتد لتشمل تطويراً شاملاً فى البنية التحتية، فمنذ عام 2014، بدأت نقطة التحول الحقيقية بصدور قرار زيادة السعات التخزينية، لترتفع الطاقة التخزينية من 1.8 مليون طن كانت تُخزن فى "شون زراعية" تقليدية تصل نسبة الهدر فيها إلى 20%، لتصل حالياً إلى 3.4 مليون طن فى صوامع حديثة ومجهزة بأحدث التكنولوجيات، مع وجود خطة طموحة للوصول إلى 6 ملايين طن فى المستقبل القريب، وهذا التطوير لم يقتصر على الصوامع فحسب، بل شمل تحديث المطاحن ووسائل النقل سواء النهري أو البحري أو عبر السكك الحديدية، مما خلق تكاملاً فريداً فى إدارة منظومة الحبوب، يقلل الفاقد ويحسن كفاءة المخزون الاستراتيجي للدولة.

توجه استراتيجي

وفى إطار هذا الزخم، تأتي التصريحات الروسية الأخيرة لتضيف بعداً جديداً للطموح المصري، حيث أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إمكانية إنشاء مركز للحبوب والطاقة فى مصر، وهو ما يراه الخبراء فرصة تاريخية لتعظيم الاستفادة من تدفقات السلع الروسية، فكما يوضح الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، فإن فكرة إنشاء مركز لوجستي للحبوب والطاقة تمثل توجهاً استراتيجياً بالغ الأهمية، يسهم فى تحقيق الأمن الغذائي واستقرار الأسعار وتوفير مخزون آمن يلبي احتياجات السوق المحلية ويقيها شر التقلبات الإقليمية، ويؤكد عبده أن هذا المشروع يعكس قدرة مصر على تحويل الأزمات إلى فرص، خاصة فى ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، مما يعزز دور القاهرة كمحور لإعادة توزيع الحبوب الروسية نحو الأسواق الأفريقية والعربية، مستفيدة من موقعها المتميز وتطور موانئها، وهو ما يحقق عوائد اقتصادية مباشرة ويدعم مكانة مصر فى منظومة التجارة العالمية للسلع الاستراتيجية .

مقومات أساسية

وفى ذات السياق، يرى الدكتور محمد راشد، مدرس مساعد الاقتصاد بجامعة بني سويف، أن مصر تمتلك المقومات الأساسية لتكون مركزاً استراتيجياً لتصدير الحبوب، لافتاً إلى أن تاريخ مصر العريق فى هذا المجال، والذي يمتد إلى عهد سيدنا يوسف عليه السلام، يمنحها خبرة تراكمية فريدة فى إدارة المخزون، ويشير راشد إلى أن الاستثمارات الضخمة فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي فى المشروع القومي للصوامع قد أنهت عصر الهدر فى "الشون الترابية"، موضحاً أن اختيار مصر لهذا الدور يأتي فى توقيت حيوي، خاصة مع اعتماد الجنيه المصري كعملة معترف بها فى التبادل التجاري مع روسيا، مما سيؤدي إلى تنامي العلاقات التجارية وتدفق الاستثمارات الروسية فى تكنولوجيا التخزين، ويوفر فرص عمل جديدة ويدعم معدلات النمو الاقتصادي بشكل ملموس.

مركزية لوجستية

إن التحول المصري نحو المركزية اللوجستية يتطلب بالضرورة قوة فى البنية التحتية للنقل والتخزين، وهو ما يركز عليه الدكتور هيثم جمال، الخبير الاقتصادي، الذي يؤكد أن الموقع الجغرافي المصري يسهل حركة نقل السلع ويقلل الوقت اللازم للتوريد، مشدداً على أن المشروع القومي للصوامع هو أحد أبرز المشروعات العملاقة التي تدعم رؤية الدولة فى استخدام أحدث الأساليب التكنولوجية لحماية الغذاء، ويضيف جمال أن هناك حرصاً رئاسياً منذ عام 2014 على إنشاء هذا المركز اللوجستي لتعزيز كفاءة قطاعي التخزين والنقل، مما يسهم فى خفض فاتورة الاستيراد الغذائي وتحسين احتياطيات المحاصيل الاستراتيجية، ولعل أهم ما يميز هذا التوجه هو البعد النقدي، حيث يرى جمال أن إنشاء المركز سيدعم العملة المحلية بشكل قوي، خاصة مع توجه البنك المركزي الروسي لإدراج الجنيه ضمن سلة عملاته، مما يمهد لتطبيق آلية تسوية المدفوعات بالعملات المحلية بدلاً من الدولار، وهذا بحد ذاته يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار فى قطاع النقل، لا سيما النقل النهري الذي يوفر فى تكلفة الشحن .

إعادة تموضع

ومن زاوية أكثر شمولاً، يطرح الدكتور حسن مرتضى، الخبير الاقتصادي، رؤية مغايرة تتعلق بإعادة تموضع مصر على خريطة تجارة القمح العالمية، حيث يرى أن الفكرة ليست مجرد مشروع تخزين تقليدي، بل هي انتقال من نموذج "الاستيراد للاستهلاك" إلى نموذج "الاستيراد لإعادة التوزيع"، وهذه المعادلة تقوم على التقاء أكبر مصدر عالمي للقمح (روسيا) مع أكبر مستورد عالمي (مصر)، مما يفتح المجال لبناء دور وسيط لوجستي قادر على توجيه تدفقات الحبوب إلى أسواق ثالثة فى إفريقيا والشرق الأوسط، ويؤكد مرتضى أن الموقع الجغرافى وقرب مصر من قناة السويس، التي تمر عبرها 12% من التجارة العالمية، يجعلها نقطة التقاء طبيعية لتدفقات التجارة القادمة من البحر الأسود، موضحاً أن العوائد الاقتصادية المتوقعة تشمل خلق نشاط اقتصادي جديد قائم على خدمات القيمة المضافة مثل التخزين وإعادة الشحن والتسعير الإقليمي، وفى حال تمكنت مصر من التعامل مع ما بين 20 و30 مليون طن سنوياً، فإنها ستتحول إلى منصة إقليمية مؤثرة فى سلسلة القيمة العالمية.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان