لسنوات طوال خلت، عقدين أو أكثر، ظللنا نترقب حضور قطب ثان يضبط ولو قليلا ميزان العالم المختل، خاصة بعد سقوط وتفكك الاتحاد السوفيتي بفعل فاعل أمريكي ، ورحنا نرجو ونردد عبارة " الصينيون قادمون"، واليوم، نستطيع أن نعدّل العبارة بحقيقة واقعة ونقول بثقة: " الصينيون حضروا".
حضر الصينيون كقوة اقتصادية جبارة لا تكتفى بمنافسة الولايات المتحدة ، بل تتفوق عليها فى العديد من المجالات، فى البحر والبر والسماء ، وتقتطع من نفوذها كل يوم مساحات جديدة باستراتيجيات هادئة، ولم تتركها حتى فى الفضاء، وتستعد لحروب قادمة خارج الكوكب، تبنى ولا تشتت، وتتوسع فى صمت، بينما تمارس أمريكا فى صخب دور المستعمر التقليدى الذى تبرز أنيابه من بين فكيه، وهو يستعد لالتهام فرائسه.
حضور الصينيين ليس مجرد أرقام فى ميزانيات التجارة العالمية، بل هو صراع نفوذ محموم فى 3 ملاعب رئيسية، أولها منطقة "أوراسيا"، وثانيها فى إفريقيا التى تحولت لمسرح عمليات دولى، وحيث تشهد القارة السمراء اليوم صراعًا شرسًا على ثرواتها وأسواقها، وفى هذا السباق، تزاحم قوى عالمية كثيرة بجانب الصين؛ من بريطانيا وفرنسا إلى إسرائيل و تركيا و إيران و الإمارات .
وهناك أيضًا مصر ، التى تبذل دبلوماسيتها بقيادة السيد الرئيس السيسي جهودًا جبارة منذ عام 2014 لترميم جسور تاريخية وإنسانية كانت تربطنا مع القارة فى العهد الناصري ، وأُهملت منذ مطلع السبعينيات، لتترك الفرصة للآخرين يتمددون فى الفراغ الذى تركناه لهم.
وبعيدًا عن صراعات الكبار، فإن للصين فى مصر حضورا من نوع آخر.. حضور جهوى، وشعبى بدأ قبل عقدين.. ونتذكر جميعًا مشهد هؤلاء الصينيين، رجالاً ونساءً، وهم يطوفون شوارع المدن، وحتى قرى الريف، يحملون فوق ظهورهم حقائب مملوءة ببضائع من إنتاج بلادهم، أقمشة، وملابس، وأدوات تجميل وغيرها، ويطرقون أبواب الشقق والبيوت، ويفاجئون أهلها بابتسامة، مصحوبة بعبارة التحية يلقونها بلكنة عربية لذيذة: "السلام عاليكوم" فتنفرج لهم القلوب والأبواب بحب، ويشترى منهم المصريون ولو من باب التضامن والتعاطف من نموذج الكفاح الفريد هذا.
ولعل أطرف مشاهد هذا الحضور كانت "الحلاقة الصينية"؛ حين كان الرجل المصرى يُسلم لها رأسه تقلبها يدى المرأة الصينية الناعمة بثقة، بينما تقف الزوجة المصرية مراقبة دون غيرة، فى مشهد يختصر "نعومة السياسات الصينية" التى يسلم لها العالم - الآن - "دماغه" فتتسلل إليها بذكاء وهدوء.
هذا الحضور الصينى الشعبى الدافئ ، كان غائبًا نوعًا ما فى الفعالية الرسمية التى حضرتها يوم الثلاثاء الماضى بأحد فنادق القاهرة المطلة على النيل، حيث حضر وفد سياحى وإعلامي من مقاطعة "شاندونج" ثالث أكبر المقاطعات الصينية ، ومسقط رأس الفيلسوف كونفوشيوس والمناسبة الترويج لمنتج سياحي يتمثل في "شاندونج" نفسها، وفي هذا الصدد تم تدشين "قاعة العرض الشرقى" لتكون نافذة دائمة لتراث وثقافة "شاندونج" فى مصر، وعلى الرغم من بضع كلمات ألقاها مشاركون فى الفعالية من الجانبين (المصري والصيني) عن بناء الجسور بين الحضارتين الصينية، والمصرية العريقتين، والرغبة فى التواصل، والتبادل الثقافى إلى آخره، إلا أننى رأيت الفعالية ضعيفة تنظيميًا ، وشعرت أنها مجرد "سلق بيض" لإثبات الحضور لا أكثر.
وخرجت من الفعالية وفى ذهني تساؤل : لماذا ينجح الصينى البسيط بـ "شنطة بضائع" فى دخول قلب المصري ، بينما تفشل الوفود الرسمية فى "فك شفرة" الوجدان الشعبى؟.
إن الرغبة الصينية فى الصداقة والمحبة واضحة وملموسة، لكنها تحتاج إلى جهود أكثر، ولا تزال آليات الحضور تفتقد إلى الصدق والإبداع، وفن التواصل القادر على النفاذ لعمق الشخصية المصرية..
الصينيون حضروا اقتصاديًا وسياسيًا وبقوة، ربما على المستوى الرسمى لكنهم لا يزالون يطرقون أبواب قلوبنا ببروتوكولات لا تغادر قاعات الفنادق الباردة، ويقتصر التواصل خلال هذه الفعاليات على عدد من الناشطين والصحفيين لا يزيدون عن عدد أصابع اليدين، ويتبادل الجانبان فيها "البيزنس كارد" بأدب بارد يفتقد عفوية بائعات الشنطة ولكنتها اللذيذة وهى تردد: "السلام عاليكوم".