الأحوال الشخصية .. حين يصبح التنظيم أعمى

الأحوال الشخصية .. حين يصبح التنظيم أعمىنسيم الهواري

الرأى27-4-2026 | 16:11

في كل مرة يُفتح فيها ملف الأحوال الشخصية في نقاش معاصر، يحدث المشهد نفسه تقريبًا: نتصرف وكأننا أمام ظاهرة اجتماعية جديدة تمامًا، لم يعرفها البشر من قبل، وأن الأسرة مشروع حديث خرج لتوِّه من مختبر اجتماعي ويحتاج إلى "ضبط إعدادات".

ثم تبدأ رحلة طويلة من الحماس التشريعي، وكأننا لم نتعامل مع زواج، أو طلاق، أو ميراث، أو حضانة إلا في هذا الجيل، وكأن التاريخ كله كان مجرد بروفة فاشلة تنتظر وصولنا لنبدأ "النسخة الصحيحة".

المفارقة الأولى التي تلسع بهدوء هي أن هذا النقاش يُدار غالبًا على أساس ضمني مفاده: "هناك نقص في التنظيم". وكأن الأسرة كانت تعيش آلاف السنين في فوضى قانونية عارمة، تنتظر من يكتشف لها فكرة النظام. بينما الحقيقة التي تُعامل أحيانًا كأنها مزعجة، أن هناك تصورًا تشريعيًا متكاملًا سبق هذا كله، لم يكتف بوضع خطوط عامة، بل دخل إلى أدق تفاصيل العلاقة الإنسانية داخل الأسرة، من بدايتها إلى نهايتها، دون أن يتركها عائمة في فراغ تنظيمي.

لكننا نتعامل مع هذا التصور وكأنه "خلفية تراثية لطيفة"، تُذكر في المقدمة لأسباب ثقافية، ثم يُغلق الملف، لنبدأ العمل الحقيقي: إعادة الاختراع.

خذ مثلًا الزواج. في جوهره، في التصور الإسلامي، هو فكرة بسيطة بشكل يكاد يكون محرجًا لمن يحب التعقيد: ميثاق غليظ، سكن، مودة، ورحمة، ومسؤوليات واضحة لا تُترك للارتجال.

لكن في الخطاب الحديث، يبدو أننا لا نرتاح لهذه البساطة. لا بد أن نحولها إلى مشروع يحتاج إلى "إدارة علاقات زوجية"، و"مؤشرات استقرار عاطفي"، و"خطط استدامة أسرية"، وكأننا نحاول أن نُقنع الحياة بأن تتحول إلى شركة ناشئة تحتاج إلى مستشار قانوني قبل أن تبدأ.

وفي المقابل، الطلاق، الذي جاء في التصور الإسلامي كحل أخير داخل منظومة تضبطه وتُقيده وتمنع العبث به، يتحول في بعض الخطابات إلى مشكلة بحد ذاته، لا كجزء من نظام له فلسفة واضحة. بدل أن نسأل: لماذا يحدث الطلاق؟ نطرح السؤال الأكثر "حداثة": كيف نجعل ال طلاق أكثر كفاءة؟ أسرع؟ أكثر انسيابية؟ أقل تكلفة إجرائية؟ وكأننا أمام خدمة حكومية تحتاج إلى تحسين تجربة المستخدم، لا أمام انهيار علاقة إنسانية.

وهنا تبدأ السخرية المرة فعلها الحقيقي: نحن لا نراجع أسباب المرض، بل نُحسّن طريقة تسجيله في النظام.

أما الحضانة، فهي المثال الأكثر إيلامًا على هذا التحول. الطفل، في التصور الإسلامي، ليس بندًا في نزاع، بل أمانة يُنظر فيها إلى المصلحة والرحمة والاحتضان الطبيعي الأقرب للفطرة.

هناك ترتيب، وهناك ضوابط، وهناك مراعاة دقيقة لحالة الإنسان الضعيف الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه. لكن في النسخ الحديثة من النقاش، يتحول الطفل إلى "محل تنازع"، وإلى ملف يُدار بمنطق الأولوية الإجرائية: من الأحق؟ من الأجدر؟ من الأقوى في الإثبات؟ وكأننا نتحدث عن توزيع صلاحيات إدارية، لا عن كائن صغير يتشكل مستقبله وسط هذا كله.

والمفارقة أن كل ذلك يحدث في ظل خطاب دائم عن "تحديث المنظومة" و"مواكبة التطور" و"سد الثغرات"، وكأن المنظومة السابقة كانت مجرد تجربة أولية بدائية.
بينما لو نظرنا إلى التصور الإسلامي نفسه، سنجد أنه لم يتعامل مع الأسرة كمساحة فوضى تحتاج إلى إعادة اختراع، بل ككيان إنساني له طبيعة ثابتة، واحتياجات معروفة، وصراعات متوقعة، ولذلك وُضعت له قواعد لا تقوم على رد الفعل اللحظي، بل على فهم عميق لطبيعة الإنسان.

لكن يبدو أن المشكلة ليست في غياب التنظيم، بل في عدم الاعتراف بأن التنظيم موجود أصلًا. لأن الاعتراف بذلك يعني شيئًا مزعجًا جدًا: أن كثيرًا من "مشاريع التطوير" لا تبدأ من فراغ، بل تبدأ من تجاهل مقصود أو غير مقصود لما هو قائم. والأسهل دائمًا هو أن نتعامل مع الموجود كأنه غير موجود، ثم نحتفل باكتشافه من جديد.

في هذا السياق، تصبح الأحوال الشخصية حقلًا دائم التجديد، لا لأن الموضوع يتغير جذريًا، بل لأننا نُصر على التعامل معه كل مرة كأنه جديد. وكأن كل جيل يحمل مهمة مقدسة: إعادة اكتشاف ما سبق أن اكتشفه الإنسان منذ زمن طويل، ثم إعادة تسميته بلغة أكثر حداثة، ثم تقديمه باعتباره "تطورًا نوعيًا".

وهكذا يتحول التنظيم من وسيلة إلى غاية. بدل أن يكون أداة لضبط الحياة، يصبح هو نفسه موضوع الحياة. نُنظّم من أجل التنظيم، ونُعدل من أجل التعديل، ونُطور من أجل التطوير، حتى يصبح السؤال الأصعب: ماذا بقي من الحياة نفسها وسط كل هذا التنظيم؟

المفارقة المؤلمة أنه كلما زادت طبقات التنظيم، تراجع حضور المعنى. كلما زادت الإجراءات، ابتعدنا عن الإنسان. وكلما كثرت اللوائح، صار من الصعب رؤية الفكرة الأصلية التي وُجدت من أجلها هذه اللوائح. وهنا بالضبط يتحقق عنوان المقال: التنظيم لا يعود أعمى لأنه لا يرى التفاصيل، بل لأنه أحيانًا يراكم التفاصيل إلى درجة تُخفي عنه الموضوع نفسه.

وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة في أننا نفتقر إلى نظام للأحوال الشخصية، بل في أننا نمتلك ميلًا دائمًا لإعادة اختبار النظام الموجود، لا لاكتشافه، بل لإثبات أننا قادرون على تجاوزه. حتى لو كان التجاوز يعني في كثير من الأحيان الدوران حوله، ثم العودة إليه، ثم إعادة تسميته، ثم الاكتشاف من جديد أنه كان هناك طوال الوقت.
لكننا لا نحب هذه النتيجة البسيطة. البساطة لا تبدو كافية في عالم يحب أن يشعر أنه يعيد بناء كل شيء من الصفر، حتى لو كان يقف فوق أساسات مكتملة.

أضف تعليق

بطل الحكاية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان