لم تعد ظاهرة انتشار كلاب الشوارع مجرد مشهد عابر في شوارع المدن و القرى بل تحولت إلى أزمة حقيقية تهدد حياة المواطنين و تثير حالة من القلق اليومي لدى الأسر و خاصة الأطفال و كبار السن حيث بات الخروج من المنزل في بعض المناطق محفوفا بالمخاطر نتيجة تزايد أعداد الكلاب الضالة بشكل غير مسبوق .
و تكمن خطورة هذه الظاهرة في تعدد أبعادها ما بين البعد الأمني و الصحي و الاجتماعي حيث سجلت العديد من الحالات التي تعرض فيها مواطنون لهجمات مباشرة من هذه الكلاب و التي قد تؤدي إلى إصابات خطيرة أو نقل أمراض قاتلة مثل السعار الذي يمثل تهديدا حقيقيا لحياة الإنسان في حال عدم التعامل معه بشكل سريع و فعال او تؤدي للوفاة .
و لا يمكن فصل هذه الأزمة عن أسبابها الحقيقية التي تراكمت عبر سنوات طويلة من الإهمال و غياب التخطيط حيث ساهمت زيادة القمامة في الشوارع و المناطق المفتوحة في توفير بيئة خصبة لتكاثر الكلاب الضالة بالإضافة إلى غياب برامج منظمة للسيطرة على أعدادها سواء من خلال التعقيم أو الإيواء أو الرعاية الصحية.
كما أن ضعف الوعي المجتمعي يلعب دورا كبيرا في تفاقم المشكلة حيث يقوم البعض بـ إلقاء بقايا الطعام في الشوارع بشكل عشوائي مما يساعد على تجمع الكلاب و تكوين مجموعات قد تصبح عدوانية في بعض الأحيان خاصة عند شعورها بالخطر أو الجوع .
و في المقابل تبرز حالة من الجدل المجتمعي بين من يطالب بحلول سريعة حاسمة لحماية المواطنين و بين من يدعو إلى التعامل الإنساني مع هذه الحيوانات بعيدا عن أساليب القتل أو الإيذاء ما يفرض ضرورة الوصول إلى معادلة متوازنة تحقق الأمان للإنسان و الرحمة بالحيوان في آن واحد .
و من هنا تبرز أهمية تبني استراتيجية شاملة تقوم على عدة محاور أساسية في مقدمتها إطلاق حملات قومية لتعقيم الكلاب للحد من تكاثرها بشكل تدريجي و إنشاء ملاجئ مجهزة لاستيعاب الأعداد الموجودة و توفير الرعاية البيطرية اللازمة لها بما يضمن عدم تحولها إلى مصدر خطر.
كما يجب تشديد الرقابة على إدارة المخلفات و القمامة و العمل على تحسين منظومة النظافة بشكل فعال بما يقلل من مصادر الغذاء التي تعتمد عليها الكلاب الضالة في البقاء و التكاثر .
و لا يقل دور التوعية المجتمعية أهمية عن باقي الحلول حيث يجب إطلاق حملات إعلامية لتثقيف المواطنين حول كيفية التعامل الآمن مع الكلاب و تجنب إثارتها أو الاقتراب منها بشكل خاطئ بالإضافة إلى نشر ثقافة الرفق بالحيوان بشكل متوازن لا يتعارض مع سلامة الإنسان .
و على المستوى التشريعي يصبح من الضروري سن قوانين واضحة تنظم التعامل مع الحيوانات الضالة و تحدد مسؤوليات الجهات المختلفة مع فرض عقوبات رادعة على من يساهم في تفاقم المشكلة سواء بإهمال الحيوانات الأليفة أو تركها في الشوارع .
و تبقى الحقيقة الأهم أن مواجهة هذه الظاهرة لن تتحقق بحلول جزئية أو مؤقتة بل تحتاج إلى إرادة حقيقية و تعاون مشترك بين الدولة و المجتمع و الخبراء من أجل وضع خطة مستدامة تضمن حماية الإنسان و الحفاظ على التوازن البيئي و الإنساني داخل المجتمع .
فأمن المواطن ليس رفاهية و كذلك الرحمة بالحيوان ليست خيارا بل مسؤولية و التحدي الحقيقي هو القدرة على تحقيق التوازن بينهما بما يليق بمجتمع يسعى إلى التقدم و الاستقرار و سلاما عليكي يا بلادي في كل وقت و في كل حين .