بين الحين والآخر، تطفو علي السطح مصطلحات تتحول إلي ما يشبه "الموضة" اللغوية، تلوكها ألسنة أدعياء الثقافة في كلامهم وكتاباتهم حتي تفقد معناها من كثرة الاستهلاك، وعلي سبيل المثال خلال السنوات الأخيرة، شاعت عبارات مثل "العودة للمربع رقم واحد"، "المباراة الصفرية"، و"حرفياً"، لكن المصطلح الأكثر تعرضاً لـ "الابتذال" اللغوي كان بلا شك مصطلح القوة الناعمة .
وهذا المصطلح الذي يردده البعض - بالحق والباطل - غالبا لا يعرفون أصله ولا فصله؛ ولا ما يرمي إليه، ونقول لهؤلاء الأخيرين إن المصطلح صاغه الأكاديمي "جوزيف ناي" من جامعة هارفارد، ليصف قدرة الدول علي الجذب والتأثير دون إكراه أو استخدام "القوة الصلبة"، و القوة الناعمة باختصار هي ما تملكه الدولة من قوة روحية ومعنوية، تجسدها في أفكار ومبادئ وفنون، تجعل الدول والشعوب الأخري تحترم أسلوبها ويتبعونه طواعية، حتي يصبح ما تريده هو نفسه ما يريدونه هم.
وإذا كانت القوة الناعمة تمتلك أسلحة لغزو عقول الآخرين، فإن الثقافة هي ترسانتها الكبري، والسينما هي "الذخيرة الفتاكة" والأكثر تأثيراً في عقول الشعوب، وهنا تبرز "هوليوود" كأهم معاقل هذه الصناعة منذ نشأتها وإلي الآن، وخلال تاريخها الذي يزيد علي القرن لمع واشتهر العديد من المخرجين لكن يبقي المخرج "ستيفن سبيلبرج" كأحد أهم وأخطر مهندسي الصورة الذهنية في هذا العالم، من خلال أفلامه الشهيرة التي أبهرت الملايين من عشاق السينما، أفلام مثل "حديقة الديناصورات" و"أي تي"، لكن الوجه الحقيقي لـ "سبيلبرج" والذي جعلنا نصفه بـ "الخطورة" يتجلي في فيلمين تحديداً (لم يُعرضا في مصر لأسباب واضحة) وهما: "ميونخ" و"قائمة شندلر".
في فيلم "ميونخ"، الذي يتناول تصفية "الموساد" للفدائيين الفلسطينيين الذين اقتحموا مقر إقامة البعثة الإسرائيلية المشاركة في أوليمبياد ميونخ 1972 واتخذوا عددا من الرهائن ليستبدلوهم بـ 236 معتقلاً في السجون الإسرائيلية، وفي فيلمه نجح سبيلبرج في تقديم دراما صورت "القاتل الإسرائيلي" في صورة الكائن البشري الذي يواجه تحديات وجودية، ليمنح الجلاد أبعاداً إنسانية تبرر جرائمه، وترشح الفيلم لخمسة جوائز اوسكار : أفضل فيلم، أفضل إخراج، أفضل تحرير، أفضل نص مقتبس، أفضل موسيقي، رغم تصنيفه "فيلم ذو أبعاد سياسية".
أما فيلم "قائمة شندلر"، فهو العلامة الفارقة التي نقلت سردية المحرقة اليهودية المزعومة "الهولوكوست" من كتب التاريخ الجامدة إلي وجدان الجمهور العام، ويقول النقاد إن سبيلبرج نجح في تحويل الضحايا اليهود من مجرد "أرقام" إلي قصص ومشاعر تستدر عطف العالم، ويزعم سبيلبرج أن الفيلم كان نقطة تحول لتعزيز يهوديته أمام عائلته ونفسه، وهو زعم لا أقبله؛ فالمتتبع لسلسلة أفلامه يدرك أنها لم تكن صدفة، بل كانت عملية تراكمية دقيقة لإعادة تشكيل الصورة النمطية (الستريو تايب) لليهودي في الثقافة الغربية. لقد نجح في غسل سمعة "المرابي" أو "الشخصية المنبوذة" كما جسدها "شكسبير" في مسرحيته الخالدة "تاجر البندقية" واستبدلها بصورة الضحية النبيلة أو الفرد المأزوم المتألم.
ولم يتوقف طموح سبيلبرج عند شاشة السينما، بل وظف جزءا من ثروته الضخمة - كفريضة يقطعها أقطاب المال اليهود علي أنفسهم - لدعم إسرائيل الصهيونية، وإنشاء مؤسسة "الناجين من المحرقة - USC SHOAH FOUNDATION" لتوثيق الشهادات، وهو تحرك يهدف في جوهره إلي استمرار "خداع العالم" واستدامة التعاطف مع القضية الصهيونية الباطلة.. وعلي الإجمال فإن ما فعله "سبيلبرج" هو ترجمة عملية لتوظيف "القوة الناعمة" لصالح الصهيونية العالمية، وتغيير الصورة المختزلة (التاريخية) للشخصية اليهودية في الذهنية الغربية.