فى قريتين جديدتين.. تبدأ مصر فصلاً جديداً من مسار التنمية الريفية، حيث تطرق الصناعة أبواب القرى عبر مشروع « إحياء القرية المنتجة»، فى خطوة تعكس تحوّلاً نوعياً فى فلسفة التنمية من مجرد تحسين البنية التحتية إلى بناء اقتصاد محلي مستدام.
بعد النجاحات التي حققتها المبادرة الرئاسية حياة كريمة فى تطوير القرى ورفع كفاءة الخدمات، تتجه الدولة اليوم إلى تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي من هذه الجهود، عبر تحويل القرى إلى وحدات إنتاجية قادرة على خلق فرص العمل وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
يمثل إطلاق المشروع من خلال تنفيذ تجريبي فى قريتين نموذجاً عملياً لاختبار آليات التطبيق، تمهيدًا لتعميم التجربة على مستوى الجمهورية.
ويستهدف المشروع استثمار الموارد المحلية لكل قرية، سواء فى المجال الزراعي أو الحرفى أو الصناعات الصغيرة، بما يضمن تحقيق قيمة مضافة حقيقية، ويُسهم فى تقليل معدلات البطالة والهجرة الداخلية.
ويحظى « إحياء القرية المنتجة» بدعم حكومي واسع، من خلال تنسيق متكامل بين وزارات الصناعة والتنمية المحلية والبيئة و الزراعة والتخطيط، حيث تعمل هذه الجهات على وضع رؤية شاملة تتضمن توفير التدريب الفني، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتيسير سبل التمويل والتسويق، كما يركز المشروع على بناء قدرات أبناء القرى وتأهيلهم للانخراط فى أنشطة إنتاجية مستدامة، بما يعزز من دورهم فى دفع عجلة التنمية.
وهناك نماذج دولية رائدة للقرى المنتجة، مثل قرى تا باو بالصين أو القرى المتخصصة (Taobao Villages)، حيث نجحت الصين فى تحويل آلاف القرى إلى مراكز إنتاج وتسويق إلكتروني عبر منصة Alibaba Group، حيث تخصصت كل قرية فى منتج معين مثل الملابس أو الأثاث. ساهم هذا النموذج فى خلق ملايين فرص العمل وتقليل الفقر بشكل ملحوظ.
وتُعرف قرى تاو باو بممارسة نسبة كبيرة من السكان بها التجارة الإلكترونية عبر منصات مجموعة على بابا، وتضم تاو باو قرى متخصصة بالكامل فى صناعة أثاث المكاتب، وأخرى فى ملابس السباحة أو ألعاب الأطفال، وساهمت هذه القرى فى انتشال الملايين من فقر الريف، كما ربطت القرى النائية بالأسواق العالمية.
قرية ييوو (Yiwu Village) – الصين:
كما تُعد قرية Yiwu نموذجًا عالميًا للتجارة الصغيرة، حيث تحولت إلى مركز ضخم لتصنيع وتصدير السلع البسيطة، وتُعرف بأسواقها التي تربط القرى المنتجة بالعالم.
قرية روداولي (Rudauli) – الهند:
تقع فى Uttar Pradesh، وتشتهر بالصناعات اليدوية والنسيج، حيث تم تطويرها ضمن برامج دعم الحرف التقليدية.
كما يوجد قرية كوتشي (Kutch Villages) بالهند:
فى منطقة Kutch، تشتهر القرى بإنتاج التطريز والمنسوجات اليدوية التي يتم تصديرها عالميًا.
تجربة بنجلاديش – مشروع جرامين:
أسهم Grameen Bank فى بنجلاديش فى تمويل النساء فى القرى لإطلاق مشروعات صغيرة، ما أدى إلى تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الإنتاج المحلي.
قرية براتو (Prato) – إيطاليا:
تقع فى Prato، وتُعد نموذجًا للقرى الصناعية الصغيرة المتخصصة فى صناعة النسيج ، حيث تعتمد على المشروعات العائلية.
قرية سان دانييلي (San Daniele) – إيطاليا:
معروفة بإنتاج اللحوم المُعالجة، خاصة «بروسكيوتو»، وهي مثال على تخصص القرى فى منتج غذائي عالي الجودة.
قرية القرنة – الأقصر:
تقع القرنية فى محافظة الأقصر، واشتهرت بالحرف اليدوية والسياحة الثقافية، وهي من النماذج المصرية للقرى المنتجة.
قرية تونس – الفيوم:
قرية تونس نموذج بارز فى صناعة الخزف اليدوي، حيث أصبحت مركزًا لتدريب الحرفيين وجذب السياحة.
ويوجد العديد من القرى فى مصر وهو ما يعكس توجه إدراك الدولة لأهمية الانتقال من مرحلة التنمية الخدمية إلى التنمية الإنتاجية، بحيث تصبح القرى مراكز اقتصادية نابضة بالحياة، قادرة على المساهمة فى الاقتصاد الوطني.
ومع انطلاق المشروع، تتجه الأنظار إلى القريتين كنموذج أولي يُعوَّل عليه فى رسم ملامح مستقبل الريف المصري، ضمن رؤية طموحة لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة بحلول عام 2030.
التنفيذ الفوري
وتتبنى وزارة الصناعة المشروع، حيث أكد المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة أن هذا المشروع سيكون له أثر بالغ على تطوير وتنمية القرى المصرية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، حيث سيتم التنفيذ الفوري لهذا المشروع فى إطار المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» فى قريتين فى إطار المبادرة لتنفيذ المشروع بهما ثم تعميم التجربة على باقي القرى، مشيراً إلى أن مبادرة حياة كريمة ساهمت فى إقامة البنية التحتية اللازمة لتحسين معيشة المواطنين بالقرية المصرية بينما سيسهم مشروع القرى المنتجة فى استدامة المبادرة من خلال خلق فرص عمل منتجة ولائقة مستفيدةً من البنية التحتية والقدرات البشرية المتوفرة بالقرى.
الصناعات الغذائية والنسيجية
وأوضح الوزير أن الصناعات الغذائية والنسيجية من الصناعات المستهدفة من الوزارة لتكون نواة للمشروعات الصناعية المقرر إقامتها بالقرى، مشيراً إلى أن هذه الصناعات لا تتسبب فى أضرار بيئية قد تضر بالمناطق السكنية المحيطة، كما أنها تستقطب السيدات اللاتي تشكلن نسبة كبيرة من العمالة بالقرى، لافتاً إلى أن اتحاد الصناعات المصرية والغرف الصناعية مستعدة للمشاركة فى هذا المشروع لتحقيق التكامل من خلال ربط المشروعات الصغيرة أو متناهية الصغر، التي ستقام فى القرى بالمشروعات الصناعية المتوسطة أو الكبيرة لا سيما فى مجالات صناعة منتجات الألبان والغزل والنسيج.
وأضاف هاشم أنه سيتم تشكيل فريق العمل من ممثلي وزارات الصناعة والتنمية المحلية والبيئة والتخطيط والتنمية الاقتصادية و الزراعة واستصلاح الأراضي والتضامن الاجتماعي لوضع الخطة التنفيذية للمشروع فى ضوء الميزة النسبية لكل قرية والبنية التحتية المتاحة بها وكذا دراسة شكل الكيان الإداري، الذي سيتولى الإشراف على هذه المشروعات بالقرى و سيكون من القطاع الخاص للتأكد من الجدوى الاقتصادية للمشروعات واتسامها بالاستدامة والربحية.
قروض ميسرة
ومن جانبها، أشارت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة إلى أهمية المشروع فى تعزيز التنمية الاقتصادية المحلية بالقرى المصرية وبصفة خاصة القرى المستهدفة ضمن المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» بما يساهم فى توفير فرص عمل مستدامة لسكان الريف ويدعم عملية التنمية، مؤكدة ضرورة البناء على الميزة التنافسية للقرى المستهدفة والتوافق حول تحديد شروط محددة يجب أن تتوفر فى الأراضي المطلوبة لهذه المشروعات سواء كانت زراعية أو صناعية أو منسوجات وغيرها، لافتة إلى إمكانية دعم تنفيذ هذا المشروع وتوفير تمويلات ب قروض ميسرة للسيدات والشباب عبر صندوق التنمية المحلية ومبادرة «مشروعك» التابعين للوزارة بالتعاون مع البنوك الوطنية والاستفادة من تجربة الوزارة فى دعم التكتلات الاقتصادية من خلال برنامج التنمية المحلية بصعيد مصر.
إحياء القرية
ومن جانبه، أعلن علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، بدء الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي لمشروع « إحياء القرية المنتجة »، مؤكداً أنه يمثل ركيزة أساسية لتحويل الريف المصري من نمط استهلاكي إلى مراكز إنتاجية مستدامة تماشياً مع رؤية مصر 2030، بهدف خلق فرص عمل حقيقية للشباب والمرأة الريفية ورفع مستوى معيشة الأسر عبر تقليل الحلقات الوسيطة لضمان عدالة الأسعار، مشيراً إلى إمكانية استغلال الأصول التابعة للوزارة فى المحافظات، لإقامة كيانات اقتصادية تعتمد على التكنولوجيا والبحث العلمي، إلى جانب إشراك مركز البحوث الزراعية وبعض شركاء التنمية، مع استلهام التجارب الدولية الناجحة كالتجربة الإيطالية فى التصنيع الزراعي، وذلك من خلال برامج تدريبية متخصصة تهدف لتطوير مهارات أهل القرى فى مجالات التصنيع، التعبئة وتجفيف المحاصيل.
وبدوره، أكد الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أن المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» من أهم المشروعات التنموية التي تنفذها الدولة حاليًا، كما أنها من أكبر المبادرات التنموية فى مصر خلال السنوات الماضية، وتهدف إلى تحسين مستوى المعيشة فى القرى المصرية، وتطوير البنية التحتية والخدمات الأساسية، بالإضافة إلى دعم الأنشطة الاقتصادية فى الريف، وهناك تنسيق وتكامل للجهود بين كل الوزارات والجهات المعنية فى هذا الصدد يمكن البناء عليها فى وضع آليات واقعية قابلة للتنفيذ لبرامج التنمية المستقبلية، لافتاً إلى أن وزارة التخطيط مستعدة لتقديم التدريب اللازم للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، من خلال مركز ريادة الأعمال التابع للوزارة بالتعاون والتنسيق مع جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر والمنظمات الدولية المعنية مثل «الفاو»، لإتاحة مزيد من الخبرات الدولية فى هذا المجال وتوطينها فى مصر.