رحل أمل دنقل الشاعر في مثل هذا اليوم من عام 1983، غاب الجسد وبقي الشعر، الذي حوّل الألم إلى بيان، والسجن إلى صوت حر، والموت إلى لغة تفضح الخوف.
وُلد أمل دنقل في قنا عام 1940، ونشأ في بيت عالم أزهري صارم، لكن الموهبة في قلبه كانت تنمو مثل نارٍ تحت الرماد.
بدأ كتابة الشعر في سن مبكرة، وترك دراسته الجامعية بسبب الظروف، لكنه لم يترك الكلمة أبدًا.
أمل لم يكن شاعرًا عاديًا.
كان "شاعر الرفض" بكل ما تحمله الكلمة من معنى، رفض الهزيمة بعد نكسة 67، فكتب رائعته الخالدة "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، تلك القصيدة التي قال فيها :
أيتها العرافة المقدسة
جئت إليك .. مثخنًا بالطعنات والدماء
أزحف في معاطفي القتيلة
والدموع .. والأعضاء
لم يكن يُهادن.
لم يكتب شعر المديح ولا طأطأ الرأس لسلطة.
كان صوتًا للناس، وغصة في حلق كل مستبد.
في مرضه الأخير، حينما داهمه السرطان، كتب من سرير المعهد القومي للأورام ما صار يعرف بـ "أوراق الغرفة 8"، لم يستسلم حتى وهو يواجه الموت، كتب وقال وصرخ، حتى آخر نَفَس :
لا تصالح علي الدم .. حتي بدم!
لا تصالح! و لو قيل رأس برأس
أكل الرؤوس سواء؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟
و هل تساوي يد ... سيفها كان لك
بيد سيفها أثكلك؟
أمل دنقل لم يمت، هو موجود في كل كلمة ترفض، في كل قصيدة تصرخ، في كل شاب يحمل ديوانًا في جيبه، وفي كل مرة نقول "لا" ونحن نرتجف لكن لا نستسلم .
رحل أمل .. لكنه علّمنا كيف نعيش واقفين.