مخاض ولادة " الناتو العربي "

مخاض ولادة " الناتو العربي "عاطف عبد الغني

الرأى24-5-2026 | 14:43

لم يعد الحديث عن ترتيبات أمنية جديدة فى الشرق الأوسط مجرد ترف فكري أو مناورات دبلوماسية تدور فى أروقة المؤتمرات؛ بل تحول إلى مطلب واقعي وميداني ملحّ، تفرضه الظروف المتلاحقة والأحداث العاصفة التي مرت وما زالت تمر بها المنطقة منذ ثورات الربيع العربي ، والتى بلغت ذروتها مع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وما استتبعها من ارتدادات، لا سيما التطورات المتسارعة المتمثلة فى استهداف دول الخليج، وأحدثها ما وقع الأسبوع الماضي من اعتداءات على السعودية والإمارات.

وهذه التطورات تزامنت مع خطوة بالغة الدلالة الجيوسياسية تمثلت فى ظهور قوات عسكرية مصرية على الأراضي الإماراتية؛ وهو الحدث الذى فجر نقاشًا وجدلاً واسعًا، ووضع دول المنطقة فى الوقت ذاته أمام حقيقة واحدة لا مرية فيها، وهى أن النظام الأمنى القديم المعتمد كليًا على المظلة الأمريكية قد تصدع، وأن المنطقة باتت تبحث عن نظام ردع بديل، ينبع من إرادة ذاتية "عربية بالأساس"، ويمكن أن يستوعب تحالفات إقليمية أوسع فى رحابه.

ولعقود طويلة، كانت العقيدة السياسية والأمنية المصرية تجاه منطقة الخليج تتمحور حول صيغة الدعم الاستراتيجى المشروط بالمسافات الجغرافية ومفهوم "مسافة السكة"، غير أن التموضع الأخير لقوات مصرية فى الإمارات، عكس تحولاً جذريًا فى التفكير العسكرى للقاهرة؛ إذ انتقل الالتزام من سياقه "الشفهي والدبلوماسي" إلى "التموضع العملياتي المباشر"، وأن التواجد ليس مجرد رسالة تضامن عابرة، بل هو خط دفاع متقدم يسعى لتأمين العمق الاستراتيجى المشترك، وربط أمن البحر الأحمر وباب المندب مباشرة بأمن الخليج العربى.

كما بعث تحرك القاهرة بهذه الكيفية بإشارة واضحة للقوى الإقليمية والدولية، مفادها أن أى محاولة لابتزاز عواصم العرب ستصطدم مباشرة بالجيش المصرى، بما يمثله من ثقل عسكرى بشرى ونظامى، وخبرة عريضة فى الحروب التقليدية، فضلاً عن الجاهزية القتالية والتسليح الحديث. وفوق كل ما سبق، التسلح بإرادة نابعة من عدالة القضية التى يحارب من أجلها فى مواجهة معتدٍ أظهر بالفعل نواياه العدوانية التوسعية، وهدفه النهائى القائم على تدمير كل من يقف أمام أطماعه التى لا تعرف حدودًا أو سقفًا.

وإذا كانت ممالك الخليج قد شيدت هويتها الحديثة وصعودها الاقتصادى الاستثنائى على فرضية "الاستقرار المطلق" والترويج لنفسها كجزر آمنة لا تطالها نيران الإقليم، فقد جاءت الاستهدافات الأخيرة لتهز هذا المفهوم نفسيًا واقتصاديًا، وأثبتت لغة السلاح أن الحماية الأمريكية والغربية لم تعد شيكًا على بياض، وأن التفوق التكنولوجي لبعض الأطراف الإقليمية - وفى مقدمتها إسرائيل - بات يشكل خطرًا حقيقيًا يستدعى صياغة آلية دفاعية جماعية جديدة.

وعلى الرغم من قوة الدفع التى توفرها اللحظة الراهنة والظهور العسكرى المصرى، إلا أن حلم " الناتو العربي " ما زال يصطدم بجدار من العقبات التاريخية والبنيوية؛ وفى مقدمتها تباين أولويات الأمن وعمق التهديد؛ فما تراه القاهرة مهددًا أوليًا لأمنها القومي (مثل تأمين حدودها المباشرة واحتواء تمدد نفوذ معين)، قد تراه عواصم خليجية مجرد ملف ثانوي ، والعكس صحيح، يضاف إلى ما سبق الاختلاف فى تقدير حجم المخاطر، حيث تفتقر العواصم العربية -حتى الآن- إلى عقيدة أمنية موحدة تحدد بشكل قاطع "من هو العدو المشترك؟" وكيفية إدارة العلاقة مع القوى الإقليمية الكبرى المحيطة بالمنطقة، فضلاً عن "الفيتو" الأمريكى المتوقع ضد أى تشكيل عسكرى مستقل.

ورغم كل هذه العقبات المعقدة، فإن الواقع المفروض على الأرض والتحولات الجارية بوجوهها الصادمة، ستدفع الجميع فى المستقبل -لا محالة- إلى اللجوء لـ "الناتو العربى" كخيار حتمى للبقاء. وبناءً على هذه المعطيات، لم يعد السؤال اليوم "هل هذا التحالف ممكن؟"، بل صار السؤال: "متى سيتحقق؟".

أضف تعليق

بطل الحكاية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان