قبل فترة ليست قصيرة، وضعت تصورًا مفصلاً لخطة تطوير مطبوعة صحفية كان من بين أفكار التطوير، أن يتم تخصيص أقسام فى المواقع والبوابات الإلكترونية وصفحات ثابتة فى الإصدارات الورقية تحمل اسم «المشروعات القومية»، وأن يتم تشكيل أقسام تحريرية لهذا الشأن بنفس الاسم مثلها مثل أى قسم من الأقسام المتخصصة وتكون هذه الأقسام معنية بمتابعة المشروعات القومية بشكل قريب ودقيق وتفصيلى ومتواصل، فضلاً عن بعض التفاصيل الأخرى التى نستطيع من خلالها تقديم المشروعات القومية بشكل يليق بها وبحجم الإنجاز فيها ، لأنه وببساطة شديدة هذا حق الدولة وحق المواطن.
تذكرت هذا المقترح وأنا أتابع افتتاح مشروع الدلتا الجديدة بمحور الشيخ زايد بمحافظة الجيزة ( محور الضبعة سابقًا)، حيث استوقفتنى لحظة شديدة الدلالة، عندما أوقف السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي حديث المدير التنفيذى لـ جهاز مستقبل مصر العميد بهاء الغنام، طالبًا منه أن يعود خطوة إلى الوراء ، وأن يشرح التفاصيل «بالراحة»، لأن هناك كثيرين لا يدركون حجم ما تم تنفيذه، لم يكن الرئيس السيسي هنا يتحدث فقط عن مشروع زراعي أو بنية تحتية، بل كان يتحدث عمليًا عن إشكالية مزمنة فى طريقة تقديم الدولة لإنجازاتها، وعن فجوة لا تزال قائمة بين حجم العمل وحجم المعرفة العامة بهذا العمل.
الجملة التى قالها السيد الرئيس « قول للناس إيه التفاصيل عشان إحنا مش بنقول ده عشان نخلى المصريين يبقوا سعداء بنفسهم لأن اللى اتعمل بفضل من ربنا كبير ومش هيتعرف لو متكلمناش بالتفصيل»، تكاد تختصر معضلة كاملة تعانى منها مؤسسات الدولة منذ سنوات، فالمشكلة لم تعد فى غياب المشروعات، ولا حتى فى ضعف التنفيذ كما كان يُقال قديمًا، بل أصبحت فى غياب الرواية المتماسكة التى تشرح للناس ماذا حدث؟! وكيف حدث؟! ولماذا تم بهذا الشكل؟! وكم كانت تكلفة عدم القيام به أصلًا؟!
هذه ليست المرة الأولى التى يتحدث فيها الرئيس السيسي عن ضرورة شرح المشروعات للمواطنين، فى أكثر من مناسبة كان واضحًا أنه يشعر بوجود قصور فى عملية التواصل، ليس فقط مع المواطنين، بل حتى مع قطاعات من النخبة والإعلام و المستثمرين ، الرئيس يدرك أن مشروعًا بحجم الدلتا الجديدة لا يمكن اختزاله فى رقم عن ملايين الأفدنة أو إنتاج القمح، لأن القيمة الحقيقية للمشروع تكمن فى فلسفته الكاملة: كيف تتحول الصحراء إلى شريان إنتاج ؟! وكيف يجرى خلق مجتمع عمرانى وزراعى وصناعى متكامل؟! وكيف يُعاد توزيع الكثافة السكانية والاقتصادية فى دولة عانت لعقود من التركز حول الشريط الضيق للوادى والدلتا؟!
لكن المشكلة أن كثيرًا من الجهات التنفيذية لاتزال تتعامل مع الإعلام باعتباره عبئا أو مجرد واجهة دعائية، لا باعتباره شريكا فى بناء الوعى العام والعقل الجمعى، ولذلك نجد أن بعض المؤسسات تكتفى بإصدار بيانات مقتضبة مليئة بالأرقام والمصطلحات الفنية، بينما تغيب عنها أبسط قواعد السرد السياسى والإعلامى القادر على تقريب الصورة للمواطن البسيط الذى يهمه قطعًا أن يرى ويسمع إنجازات بلده.
لذلك كانت مداخلة الرئيس فى أثناء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة لافتة إلى أنها بدت وكأنها رسالة مزدوجة، رسالة للمسئولين بضرورة تبسيط الشرح وعدم القفز فوق التفاصيل، ورسالة للإعلام أيضًا بأن دوره يجب ألا يقتصر على نقل الحدث، بل تفسيره وتحويله إلى معرفة عامة.
أما تصريحات العميد بهاء الغنام فكانت تحمل بدورها دلالة مهمة للغاية، خاصة عندما قال «لا عودة إلى عام 2016.. ومصر انتقلت من الظلام إلى النور»، البعض قد يتعامل مع العبارة باعتبارها مجرد تعبير حماسى، لكنها فى الحقيقة تعكس فلسفة الدولة فى السنوات الأخيرة، وهى فلسفة تقوم على فكرة أن ما جرى بعد 2016 لم يكن مجرد تنفيذ مشروعات متفرقة، بل محاولة لإعادة بناء البنية الأساسية للدولة المصرية بالكامل.
حين تحدث «الغنام» عن أخطاء التجارب السابقة، خاصة ما جرى فى بعض المشروعات الزراعية القديمة التى عانت من العزلة وضعف الخدمات وغياب شبكات النقل، كان يشير إلى نقطة جوهرية طالما أهملتها خطط التنمية فى مصر لعقود، فالمشكلة لم تكن فى استصلاح الأرض فقط، إنما فى غياب البيئة المتكاملة القادرة على تحويل الاستصلاح إلى تنمية حقيقية.
«الدلتا الجديدة» تختلف لأنها ليست مجرد رقعة زراعية منعزلة، بل باعتبارها جزءًا من شبكة اقتصادية كاملة (طرق، كهرباء، موانئ، مطارات، لوجستيات، مناطق صناعية، وسلاسل إمداد)، وحين يتم ربط مناطق الإنتاج الزراعي مباشرة بموانئ مثل الإسكندرية والدخيلة، ومطارات مثل سفنكس وبرج العرب، فإننا لا نتحدث فقط عن زراعة، بل عن اقتصاد جديد يجري تشكيله.
هل يعرف المواطن العادى هذه التفاصيل؟! هل وصلت إليه الصورة كاملة؟! هنا تكمن الإشكالية، فالحكومات الحديثة
لا تُقاس فقط بما تنفذه، بل أيضًا بقدرتها على إدارة الإدراك العام والوصول إلى العقل الجمعى وتكوين صورة ذهنية إيجابية وواضحة، العالم كله اليوم يخوض معارك الوعى بالتوازى مع معارك التنمية، أى مشروع ضخم يحتاج إلى منصة شرح دائمة، وإلى أدوات اتصال احترافية، وإلى لغة قريبة من الناس، وإلى قدرة على تحويل الأرقام الصامتة إلى حقائق ملموسة، فلا يجب الاعتماد على أن الإنجاز «سيتحدث عن نفسه»، لأن الإنجاز إذا لم يجد من يشرحه بوضوح فقد يتحول إلى مادة للالتباس أو التشكيك أو حتى السخرية، هناك أجيال كاملة لم تعد تكتفى بالبيانات الرسمية، بل تريد أن ترى وتفهم وتسأل وتقارن.
ومرة أخرى، كيف لدولة تنفذ واحدة من أكبر عمليات إعادة البناء فى تاريخها الحديث أن تظل تعتمد فى شرح هذه العملية على أساليب تقليدية متقطعة؟! لماذا لا توجد منصات معلوماتية حديثة تقدم للمواطن خرائط تفاعلية وبيانات محدثة وفيديوهات تفسيرية ومحتوى بصرى مبسطًا؟! لماذا لا يتحول كل مشروع كبير إلى قصة وطنية تُروى للناس بشكل احترافي ؟!
الأمر لا يتعلق بالدعاية بالمعنى السطحى للكلمة، بل يتعلق ببناء الثقة، المواطن حين يفهم ماذا يحدث يشعر بأنه شريك، لا مجرد متلقٍ لقرارات فوقية، والمستثمر أيضًا حين يرى وضوحًا فى المعلومات وشفافية فى الأرقام يشعر بجدية الدولة وقدرتها على التخطيط.
اللافت أن الرئيس السيسي غالبًا ما يقوم بهذا الدور بنفسه خلال الافتتاحات والمؤتمرات، هو من يشرح، ويقارن، ويعطى أمثلة، ويعود إلى الخلفية التاريخية، ويشرح التحديات الهندسية والاقتصادية، وهذا فى حد ذاته يكشف وجود فراغ واضح فى منظومة التواصل الحكومى، لأن الأصل أن تقوم المؤسسات بهذا الدور بشكل احترافى ومستدام، لا أن يظل معتمدًا على تدخل الرئيس شخصيًا، بل إن بعض الأزمات التى تعرضت لها الدولة خلال السنوات الماضية لم تكن بسبب غياب الإنجاز، إنما بسبب سوء شرحه أو التأخر فى تقديم المعلومات الدقيقة، وفى زمن الإعلام الرقمي والسوشيال ميديا، فإن الفراغ المعلوماتى لا يبقى فارغًا، بل يتم ملؤه فورًا بالشائعات والتأويلات والمبالغات.
ولعل أخطر ما فى الأمر أن ضعف التسويق السياسى والإعلامى للمشروعات لا يضر فقط بصورة الحكومة، بل قد يؤثر على قيمة الإنجاز نفسه، فالمشروع الذى لا يفهمه الناس جيدًا لا يتحول إلى رصيد وطنى مستقر فى الوعى العام، مهما كانت ضخامته.
من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى تغيير جذري في فلسفة الاتصال الحكومي ، المطلوب ليس المزيد من البيانات الرسمية، بل المزيد من الفهم، ليس المزيد من الشعارات، بل المزيد من المعلومات الدقيقة المبسطة، ليس الاكتفاء بلغة الأرقام، بل تقديم المعنى الحقيقى وراء الأرقام.
حين يرى المواطن طريقًا جديدًا، فهو لا يريد فقط معرفة طوله وتكلفته، بل يريد أن يفهم كيف سيؤثر على التجارة والاستثمار والزمن والوقود و فرص العمل ، وحين يسمع عن مشروع زراعى عملاق، فهو يريد أن يعرف كيف سيؤثر على الأمن الغذائي و أسعار السلع وحياة الأجيال المقبلة.
هذه اللغة التفسيرية لا تزال غائبة بدرجة كبيرة عن الأداء الحكومى، رغم أن الدولة تمتلك مادة ضخمة جدًا يمكن البناء عليها، وربما لهذا السبب كان الرئيس حريصًا على أن يقول للمصريين « افرحوا بأنفسكم وبلادكم لأن ما حدث بالدلتا تم بيد المصريين »، فالقضية هنا ليست مجرد مطالبة بالاحتفال، إنما محاولة لربط المواطن نفسيًا ومعنويًا بما يجرى على أرض بلده.
الدول الكبرى تبنى سرديتها الوطنية حول الإنجاز والعمل والقدرة على تجاوز التحديات، ومصر اليوم تحتاج بالفعل إلى سردية حديثة تشرح ما يحدث بلغة عقلانية وشفافة وقريبة من الناس، بعيدًا عن المبالغة والتهويل، وبعيدًا أيضًا عن الجفاف البيروقراطي القاتل.
وإذا كانت «الدلتا الجديدة» تمثل مشروعًا لإعادة رسم الخريطة الزراعية والاقتصادية لمصر، فإن الرسالة الأهم التى خرجت من افتتاحها ربما تتجاوز الزراعة نفسها، الرسالة تقول إن الدولة التى تعمل بصمت دون أن تشرح نفسها تخسر جزءًا مهمًا من معركتها، وإن الإنجاز الحقيقى لا يكتمل إلا عندما يصل إلى وعى الناس بنفس القوة التى وصل بها إلى الأرض.. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا» لماذا لا تمتلك الحكومة حتى الآن استراتيجية إعلامية احترافية متكاملة للمشروعات القومية ؟.. فى المقال المقبل أتحدث عن تصور لتفاصيل هذه الاستراتيجية، نقوم معًا بتطبيقها على نموذج من المشروعات القومية الكبرى.
حفظ الله الجيش.. حفظ الله الوطن