الأكاديمية العسكرية ومنظومة بناء الإنسان

الأسبوع الماضي تساءل زميل لي عن مدى أهمية التحاق المرشحين للتعيين بالجهاز الإداري للدولة والتعليم والنقل والأوقاف والعدل ببرنامج الإعداد والتأهيل بـ الأكاديمية العسكرية لمدة ستة أشهر، خاصة وأنهم يخضعون لاختبارات داخل الأكاديمية قبل التعيين بالوظيفة المرشح لها كل واحد منهم سواء فى القضاء (معاونو نيابة، أو مهندسون بوزارة النقل، أو أئمة بوزارة الأوقاف أو معلمون بالتربية والتعليم) وهي اختبارات تتم وفق منهجية علمية دقيقة وآلية لا تسمح إلا بتكافؤ الفرص والشفافية المطلقة.

الأمر الذي استوجب أن نتوقف عند هذه التساؤلات مدركين أهمية توضيح مجموعة من النقاط الهامة فى رؤية الدولة المصرية لمسار بناء الإنسان فى الجمهورية الجديدة.

فالزيارة التفقدية الأخيرة التي قام بها الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، يرافقه الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة ، وعدد من الوزراء (النقل، الأوقاف، العدل، والتربية والتعليم والتعليم الفني) وكبار قادة القوات المسلحة، لمنظومة الإعداد والتأهيل بـ الأكاديمية العسكرية المصرية، أثارت العديد من الدلالات المهمة التي تتجاوز حدود المتابعة الدورية لتصل إلى التأكيد على أحد أهم المشروعات الوطنية التي أطلقتها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة فى مجال بناء الإنسان وإعداد القيادات.

فمنذ إنشاء الأكاديمية العسكرية المصرية بموجب القانون رقم 149 لسنة 2022، لم يكن الهدف مجرد تطوير منظومة التعليم العسكري، وإنما تأسيس كيان وطني متكامل يساهم فى إعداد وتأهيل الكوادر المصرية القادرة على تحمل المسؤولية وإدارة المؤسسات بكفاءة فى مختلف القطاعات المدنية والعسكرية.

لقد وضع الرئيس عبد الفتاح السيسي قضية بناء الإنسان فى مقدمة أولويات الجمهورية الجديدة، انطلاقاً من قناعته بأن المشروعات العملاقة والبنية التحتية المتطورة لا يمكن أن تحقق أهدافها دون وجود إنسان مؤهل يمتلك الوعي والعلم والانتماء والقدرة على الإدارة.

وتجسد ذلك بوضوح فى قوله: «بلدنا عايزة ناس تحفظها وتخلى بالها منها وتبنيها وتعمرها ليها وللأجيال اللي بعد كده».

من هنا جاءت الأكاديمية العسكرية المصرية باعتبارها إحدى أهم الأدوات التنفيذية لتحقيق هذه الرؤية، عبر إعداد جيل جديد من الشباب يجمع بين المعرفة والانضباط والقدرة على القيادة.

ما قد لا يدركه البعض أن برامج الإعداد والتأهيل بالأكاديمية لا تقتصر على طلبة الكليات العسكرية فقط، بل تضم المرشحين لتقلد الوظائف فى القطاع المدني أيضاً، ممثلا فى دفعات من الشباب المدني من مختلف التخصصات العلمية والعملية بعد اجتيازهم الاختبارات التي تحددها الجهات المختلفة.

ويتم اختيار هؤلاء وفق معايير علمية دقيقة تستهدف العناصر الواعدة القادرة على تمثيل نواة للقيادات المستقبلية داخل مؤسسات الدولة المختلفة.

هنا تكمن أهمية الفكرة؛ فالدولة لا تنتظر وصول الشباب إلى مواقع المسؤولية ثم تبدأ فى تدريبهم، بل تعمل على إعدادهم مبكرا وتأهيلهم قبل أن يتولوا أدواراً قيادية أو تنفيذية مؤثرة.

وهنا قد يتساءل البعض: إذا كان هؤلاء الشباب حاصلين بالفعل على مؤهلات جامعية، فما الحاجة إلى ستة أشهر من الإعداد والتأهيل؟

كما أنهم قد اجتازوا الاختبارات التي حددتها مؤسسات الدولة عند الإعلان عن الوظائف.

والحقيقة أن الجامعات تمنح الخريج المعرفة الأكاديمية المتخصصة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحه كافة المهارات الشخصية والقيادية والسلوكية المطلوبة لإدارة الملفات الكبرى أو قيادة فرق العمل أو التعامل مع ضغوط المسؤولية، كما أن التطورات المتسارعة فى القطاعات المختلفة وأسلوب العمل بها بات يستوجب أن تكون الكوادر قادرة على مواكبة تلك التطورات.

ولهذا جاء برنامج الأكاديمية ليسد هذه الفجوة.

فالدارس خلال ستة أشهر يعيش تجربة مختلفة تماماً تقوم على الالتزام الصارم بالمواعيد، والتأكيد على أهمية الوقت وإدارته بكفاءة، لمعالجة أحد أخطر الآفات التي تضرب مؤسساتنا المختلفة والجهاز الإداري للدولة؛ فالوقت لدى الموظف الحالي ليس سوى موعد حضور وانصراف فقط؛ الامر الذي يعود بالسلب على المواطن.

من هنا كان تدريب تلك الكوادر على أهمية إدارة الوقت من أجل تحسين الخدمة للمواطن والاستفادة من طاقات مهدرة.

كما يعمل البرنامج على تنمية روح العمل الجماعي، وتحمل المسؤولية، والقيادة واتخاذ القرار.

وهو مسار غاب كثيرا عن العديد من مؤسساتنا فأصابها الترهل.

كما يحرص البرنامج على تنمية الانضباط الذاتي لدى هذه الكوادر الواعدة فيتم مواجهة الفساد والقضاء عليه.

بالإضافة إلى تدريبهم على القدرة على التكيف مع الضغوط في القطاعات المختلفة، وكذا تنمية الثقة بالنفس.

وهي مهارات أصبحت اليوم من أهم متطلبات النجاح فى المؤسسات الحديثة حول العالم.

كما أن من الأخطاء الشائعة لدى بعض المنتقدين اختزال دور الأكاديمية فى التدريبات الرياضية أو طوابير اللياقة البدنية.

فالجانب البدني يمثل جزءا من منظومة متكاملة تهدف إلى بناء شخصية متوازنة صحياً ونفسيا وذهنيا.

فهناك مقولة تعلمناها وكانت تزين أغلفة كراساتنا المدرسية فى السبعينيات مفادها" العقل السليم فى الجسم السليم"

وخلال فترة التدريب يعتاد الدارس على ممارسة الرياضة بشكل منتظم، وكذا اتباع نظام حياة صحي.

بالإضافة إلى تحسين اللياقة البدنية لدى هؤلاء الشباب، وتعزيز قدرتهم على التحمل.

ومكافحة العادات السلبية المرتبطة بنمط الحياة غير المنظم.

وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على كفاءته الإنتاجية وقدرته على العمل لساعات طويلة وتحمل ضغوط المسؤولية مستقبلا.

بجانب ذلك يكون البناء الفكري والمعرفى الذي يحظى بمكانة رئيسية داخل البرنامج. ممثلا فى عدد من البرامج العلمية المتخصصة لصناعة كوادر الدولة، حيث تقدم الأكاديمية مجموعة من البرامج العلمية والتثقيفية المتخصصة التي تهدف إلى رفع وعي الدارسين بطبيعة التحديات التي تواجه الدولة المصرية والعالم.

وتشمل هذه البرامج موضوعات متعددة مثل الأمن القومي المصري، وإدارة الأزمات والكوارث، والتخطيط الاستراتيجي والقيادة والإدارة، والأمن السيبراني والتحول الرقمي، والإعلام وتأثيره فى تشكيل الوعي.

وكذا الاقتصاد والتنمية المستدامة، ومكافحة الشائعات والحروب الحديثة، وترسيخ القيم الوطنية والانتماء.

وبالتالي فإن الخريج لا يغادر الأكاديمية وهو أكثر انضباطاً فقط، بل وهو أكثر فهماً لبيئة العمل الوطنية والإقليمية والدولية.

إن الذين يقللون من أهمية هذه البرامج ينظرون إلى التدريب من زاوية ضيقة، بينما تنظر إليه الدول المتقدمة باعتباره استثماراً طويل المدى فى العنصر البشري.

فالعالم اليوم لا يقيس نجاح المؤسسات فقط بحجم الموارد المتاحة لها، وإنما بكفاءة الأشخاص القادرين على إدارة هذه الموارد.

من هنا فإن إعداد شاب يمتلك العلم والانضباط والوعي والقدرة على القيادة يمثل قيمة استراتيجية للدولة لا تقل أهمية عن بناء مصنع أو طريق أو مشروع قومي.

كما أن التجارب الدولية تؤكد أن برامج التأهيل القيادي والانضباطي تعد جزءا أساسيا من منظومات إعداد النخب فى العديد من الدول المتقدمة، لأنها تسهم فى تكوين شخصية أكثر قدرة على اتخاذ القرار والعمل تحت الضغط وخدمة الصالح العام.

كما يحمل حضور وزراء النقل والأوقاف والتربية والتعليم والعدل إلى جانب القيادة العامة للقوات المسلحة رسالة مهمة للغاية.

فهذا الحضور يعكس اقتناع الدولة بأن مشروع بناء الإنسان ليس مسؤولية جهة واحدة، وإنما هو مشروع وطني تشارك فيه جميع المؤسسات.

كما يعكس إدراكاً بأن خريجي هذه البرامج سيكونون جزءا من كوادر المستقبل فى مختلف القطاعات، سواء فى الإدارة الحكومية أو المؤسسات الاقتصادية أو التعليمية أو الخدمية.

لذلك فإن وجود الوزراء وسط الدارسين ومشاركتهم الأنشطة المختلفة وإدارة حوار مفتوح معهم يمثل رسالة دعم مباشرة لهؤلاء الشباب، ورسالة ثقة فى قدرتهم على أن يكونوا جزءا من مستقبل الدولة المصرية.

إنها عملية صناعة جيل جديد قادر على تحمل المسؤولية وبناء وطنه والحفاظ على مقدراته.

إن ما يجري داخل الأكاديمية العسكرية المصرية يتجاوز فكرة التدريب التقليدي إلى مشروع متكامل لصناعة الإنسان المصري القادر على القيادة والبناء وحمل المسؤولية.

إنها تجربة تستهدف تحويل المعرفة الأكاديمية إلى قدرة عملية، وتحويل الطموح الفردي إلى وعي وطني، وتحويل الخريج إلى عنصر فاعل يمتلك الانضباط والثقة والرؤية.

ولهذا يمكن اعتبار الأكاديمية العسكرية المصرية اليوم أحد أهم روافد بناء الكوادر الوطنية وأحد أبرز تجليات رؤية الدولة المصرية في الاستثمار بالإنسان، باعتباره الثروة الحقيقية والقوة الدافعة نحو مستقبل أكثر استقراراً وتقدماً للأجيال القادمة.

أضف تعليق

الأكاديمية العسكرية ومنظومة بناء الإنسان

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان